أبي منصور الماتريدي

213

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

شيء ، ولا يخافون [ من شيء ] « 1 » في العاقبة ، ثم يقومون « 2 » بنصر الأصنام ، فأنتم أحق بنصر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ إذ تطمعون نيل الجنة والدخول فيها بنصركم إياه ، والله أعلم . ومنهم من حمله على إيجاب الطمع ، وهو أنهم كانوا يطمعون دخول الجنة ونيل نعيمها إذا رجعوا إلى ربهم ؛ ظنّا منهم أنهم إذا ساووا المسلمين في نعيم الدنيا وسعتها ، فكذلك يساوونهم في نعيم الآخرة ، كما قال الله تعالى خبرا عنهم : وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [ فصلت : 50 ] ، وقال : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . الآية [ الجاثية : 21 ] ، هكذا ظن الكفرة أنهم إن رجعوا إلى ربهم فسيجدون عنده خير منقلب ، فقال تعالى : كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ، فقوله « 3 » : كَلَّا على هذا التأويل رد لاعتقادهم وقطع لأطماعهم ، فقال : كَلَّا أي : لا يدخلونها قط ، ثم استأنف الكلام فقال - عزّ وجل - : إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ . وعلى التأويل الأول : كَلَّا بمعنى : حقّا أنهم لا يطمعون ، ثم استأنف بقوله : إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ، أي : من تلك النطف ؛ فيذكرهم بهذا عظيم نعمه وإحسانه إليهم بما أخرجهم منها ونقلهم من حال إلى حال حتى صاروا بشرا سويّا ؛ ليعلموا أنه « 4 » لا يتركهم سدى ؛ بل ليمتحنهم « 5 » ويستأدي منهم شكر ما أنعم عليهم ؛ فيوجب ذلك تصديق الرسل . وفيه تذكير قدرته وسلطانه ، وبيان ضعف ابتدائهم ؛ ليعلموا أن من قدر على إنشائهم « 6 » لقادر على أن يحييهم بعد ما أفناهم ، والله أعلم « 7 » . وقوله - عزّ وجل - : فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ . . . [ الآية ] « 8 » . ذكر المشارق والمغارب : ذكر السماوات والأرض ، وفي ذكرهما ذكر أهل السماوات [ وأهل الأرض ] « 9 » ، فيكون معناه : فلا أقسم برب الخلائق أجمع ، ويكون حرف « لا » زائدا في الكلام تأكيدا للقسم على ما يذكر ، فيكون معناه : فلا أقسم . ثم حق هذا القسم أن يقول مكان قوله : بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ : « فلا أقسم بي » إذا كان القسم

--> ( 1 ) في ب : شيئا . ( 2 ) في أ : يقولون . ( 3 ) زاد في ب : له . ( 4 ) في ب : أنهم . ( 5 ) في أ : ليمنحهم . ( 6 ) في أ : إشفائهم . ( 7 ) في ب : الله الموفق . ( 8 ) سقط في ب . ( 9 ) في أ : والأرضين .