أبي منصور الماتريدي

197

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

مسكنا لأهلها ، وبسط الأرض مسكنا لأهلها ، حتى إذا عرفوا هذا عرفوا أن له أن يفضل بعضا على بعض ، وله أن يصطفي من يشاء من الناس للرسالة ويختص بها . وذكرهم - أيضا - حكمته وعلمه وقدرته وسلطانه « 1 » حيث وضع سماء على سماء ، وخلقهن طباقا من غير عمد تحتها تمسكها ، أو علائق من فوقها تربطها ، فتبين أنه يمسكها بحكمته وقدرته وسلطانه ؛ فيكون في ذكر كل وجه مما ذكرنا إزالة الشبهة التي اعترضت لهم في أمر البعث والرسالة وإيضاح بأن من قدر على ما ذكرنا لقادر على الإعادة بعد الإفناء . وقيل « 2 » : المعارج : المعالي ، أي : الذي له العلو والرفعة ، كما قلنا في قوله : الحمد لله ، أي : لا أحد « 3 » يستحق الحمد في الحقيقة ، وما حمد أحد إلا وذلك في الحقيقة لله - تعالى - لأنه به استفاده ، فعلى ذلك قولنا : له العلو والرفعة ، أي : ليس أحد يستفيد العلو والكرامة إلا وحقيقة ذلك لله - تعالى - لأنه استفاده به . والثاني : أي : هو الموصوف بالعلو والجلال عما « 4 » يقع عليه أوهام الخلق . وقوله - عزّ وجل - : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ يحتمل أن يكون معنى قوله : تَعْرُجُ ليس عن « 5 » هبوط يصعد ويعرج ، لكن أنشأهم كذلك معروجين ؛ كقوله : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ [ الزمر : 6 ] ، أي : أنشأهم كذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَالسَّماءَ رَفَعَها [ الرحمن : 7 ] ليس أنها « 6 » كانت في موضع منحط فرفعها ، لكنه كذلك خلقها مرفوعة ؛ فعلى ذلك قوله - عزّ وجل - : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ ، أي : أنشأهم كذلك ليستعملهم « 7 » فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . ووجه آخر - وهو الأشبه بالآية - : وهو ما قالوا : إن الملائكة تعرج إليه ؛ أي : إلى الموضع الذي منه « 8 » أرسلهم إلى أنواع الأمور في يوم لو قدر ذلك العروج بعروج البشر

--> ( 1 ) زاد في أ : أنه . ( 2 ) قاله ابن عباس بنحوه ، أخرجه ابن جرير ( 34853 ) ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 416 ) وعن قتادة مثله . ( 3 ) زاد في ب : من . ( 4 ) في ب : كما . ( 5 ) في ب : عين . ( 6 ) في ب : أنه . ( 7 ) في أ : استعملهم . ( 8 ) في أ : عنه .