أبي منصور الماتريدي

195

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الله - تعالى - من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه لا يستقيم في العقل أن يصل الولي إلى عدوه ، ويحسن إليه ويدع صلة وليه ويجفوه ، فهذا « 1 » الظن الذي ذكرنا هو الذي حملهم على تكذيب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فيما يخبرهم من حلول العذاب بالتكذيب ، وعلى الاستهزاء به ، فكان سؤال السائل على جهة الاستبعاد والإنكار للعذاب ، لا أن كانوا مقرين به ثمّ استعجلوه . وذكر أن أبا جهل قال يوم بدر : اللهم انصر أبرنا قسما ، وأوصلنا رحما ، وأقرانا للضيف ؛ فكان يدعو بهذا لما عنده : أنه أشرف حالا وأعلى منزلة عند الله - تعالى - من محمد صلّى اللّه عليه وسلم وأتباعه ، ومن كان هذا شأنه ، فهو أولى أن ينصر ؛ قال الله - تعالى - : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ « 2 » [ الأنفال : 32 ] ، ولو لم يكن عندهم أنهم أقرب منزلة وأحق أن يكونوا أولياء ، وإلا لم يكونوا يجترئون أن يسألوا بهذا ، فهذه الشبهة التي ذكرناها هي التي أورثت لهم ما ذكرناها من الظن ، حتى زعموا أنهم أحق بالرسالة ، وظنهم هذا يتولد من ظن إبليس ، وذلك أن إبليس قال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ ص : 76 ] ؛ فظن أن أمر الفاضل للمفضول بالسجود في الخضوع له خارج عن حد الحكمة ؛ فصار إلى ما صار إليه من الخزي واللعن ، فكذلك هؤلاء لما رأوا من نفاذ كلمتهم وسعتهم في الدنيا ظنوا أنهم أقرب إلى الله - تعالى - إذ التوسع عندهم دلالة الولاية والقرب . ثم سفههم هو الذي حملهم على التكبّر على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وترك الخضوع ، وإلا لو أعطوا النصفة من أنفسهم ، لكان يجب أن يكونوا هم أطوع خلق الله - تعالى - لأن الواجب على من كثرت عليه النعم من آخر أن يكون هو أشكر للنعم ، وأطوع له فيما يدعوه إليه من الذي قلّت نعمه عليه ، فإذا كانوا مقرين أن نعم الله عليهم أكثر ، وإحسانه إليهم أوفر ، أوجب ما ذكروا أن يكونوا هم ألزم لطاعته ، وآخذ لما يأمرهم « 3 » به ، وكذلك إبليس اللعين إذا رأى لنفسه فضلا ، وإنما استوجب ذلك بما أنعم الله - عزّ وجل - عليه ، كان الحق عليه أن يتسارع إلى طاعته وينقاد لما أمر به ، لا أن يظهر الخلاف من نفسه وترك الائتمار بأمره . وقوله - عزّ وجل - : بِعَذابٍ واقِعٍ أي : هو واقع بهم « 4 » لا محالة في علم الله تعالى .

--> ( 1 ) في ب : وهذا . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) في أ : يأمر . ( 4 ) في ب : لهم .