أبي منصور الماتريدي

174

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

عمل النفخ ؛ لأن الريح إذا نفخت في وعاء سرت فيه وانتشرت ، فكنى عن دخول الروح في الجسد بالنفخ ؛ إذ ذلك عمله ، وكنى بالنفخ عن خروج الروح من الأجساد لهذا ، وعلى هذا تأويل قوله : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [ التحريم : 12 ] ليس على حقيقة النفخ ؛ ولكن عمل الروح فيها عمل النفخ ، فقيل ذلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فِي الصُّورِ قيل : الصور : هو القرن ينفخ فيه النفخة الأولى ؛ فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم ينفخ [ فيه ] « 1 » مرة فإذا هم قيام ينظرون . ومنهم من يقول : أي : نفخ الروح في صور الخلق ؛ لكن جمع الصورة : الصور ، بنصب الواو ؛ فلا يحتمل أن يكون المراد منه : جمع الصورة ، لكنه يجوز أن يكون الله - تعالى - جعل نفخ الصور سببا لإفنائهم وإحيائهم ، لا أنه يعجزه شيء عن الإفناء والإحياء ما لم ينفخ في الصور ، لكنه جعله سببا لنوع الحكمة « 2 » والمصلحة أو لمحنة ذلك الملك والابتلاء ؛ على ما عرف من أنواع المحن في الملائكة من إنزال المطر « 3 » ، وتسيير السحاب ، وجعلهم الموكلين على أعمال بني آدم ، وغير ذلك . وقوله : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً كسرتا كسرة واحدة . وقيل : هدمتا هدمة واحدة . وقال بعضهم « 4 » : زلزلتا زلزلة واحدة ؛ فكأنه يقول - والله أعلم - : تتزلزل الأرض ، فتقذف ما في بطنها من الفضول ، وتخرج ما فيها من الجواهر التي ليست منها بتلك الدكة ، وتخرج أصول الجبال منها ، ثم يجعله الله - تعالى - كثيبا مهيلا مثل الرمل ، ثم يعمل عليه الريح فيجعله هباء منثورا ، وتراه من لينه كالعهن المنفوش ، ثم يسير مثل السحاب ، فيقع في شعاب الأرض والأودية والأماكن المختلفة ؛ فتصير الأرض كما قال - تعالى - : فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً . لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 106 ، 107 ] ، وهكذا الريح إذا عملت على شيء وتقع عليه ، تفرقه في النواحي ، وتسوي به الشقوق ، وتبسطه على وجه الأرض . وقوله - عزّ وجل - : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ ليس أنها تحمل من مكان إلى مكان ، ولكن تدخل هذه في هذه ، وتضرب هذه على هذه بالدكة ؛ فتصير كأنها حملت لذلك ، وإذا كان

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : الحكم . ( 3 ) في ب : الأمطار . ( 4 ) قاله ابن عباس ، أخرجه الطستي عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 408 ) .