أبي منصور الماتريدي

164

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

علمك ولا علم قومك ، لكن الله تعالى أطلعك عليه ؛ لأن قومه كانوا منكري البعث ولم يكن عندهم من خبره شيء ، وذلك أن الله تعالى لما ذكرهم من دلائل البعث إلى جهة تدركها العقول ، والحكمة من إحالة التسوية بين [ الفاجر والبر ] « 1 » والمطيع والعاصي ، وأنه لا يجوز خروج كون هذا العالم عبثا باطلا ، والدلائل الأخرى « 2 » التي لا يأتي عليها الإحصاء ، فلما لم يقنعهم ذلك ، ولم يتفكروا في خلق السماوات والأرض ، ولا اعتبروا بالآيات ، احتج عليهم بما لقي سلفهم من مكذبي البعث ومنكري الرسل ، حيث استأصلهم ، فلم يبق لهم سلف ، ولا خلف عنهم خلف ؛ ليكون ذلك أبلغ في الإنذار وذلك قوله : كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ، ذكرهم بما حل بثمود وعاد وما أصابهم بتكذيبهم الرسل ، يقول : سيصيبكم بتكذيبكم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فيما يخبركم من الأنباء عن الله تعالى كما يصيبهم ما أصاب ثمود وعادا بتكذيبهم رسلهم ؛ لينتهوا عن تكذيبه . أو يخبرهم « 3 » أن ثمود وعادا كذبوا رسلهم حتى صاروا إلى الهلاك ، وندموا على ما سبق من تكذيبهم ، فستندمون أيضا إن دمتم على تكذيبكم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فيما يأتيكم من الأنباء بعد موتكم ، ثم ذكرهم نبأ عاد وثمود وإن كانوا مكذبين بتلك الأنباء ؛ لئلا يبقى لهم يوم القيامة حجة فيقولوا : إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ [ الأعراف : 172 ] ولأنهم لو بحثوا عن علم ذلك ، لكانت هذه الآيات والأنباء تحقق لهم « 4 » ذلك ، فقد وقعت هذه الآيات موقع الحجاج ، لولا إغفالهم وإعراضهم عنها ، فانقطع عذرهم ، ولزمتهم الحجة وإن تركوا الإيمان بها . ثم قوله - عزّ وجل - الْحَاقَّةُ . مَا الْحَاقَّةُ . وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ . كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ، وقوله : الْقارِعَةُ . مَا الْقارِعَةُ . وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ . يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [ القارعة : 1 - 4 ] يحتمل أن يكون هذا مخاطبة كل مكذب بالبعث لا مخاطبة الرسول « 5 » ؛ كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [ الانفطار : 6 ] إنه خطاب لمن يغتر بالدنيا لا لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم . وجائز أن [ يكون ] « 6 » يخاطب به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن صرف الخطاب إلى الرسول - عليه السلام - اقتضى معنى غير ما يقتضيه لو أريد بالخطاب المكذبون ، والأصل أن قول

--> ( 1 ) في ب : البر والفاجر . ( 2 ) في ب : الآخر . ( 3 ) في أ : يخبر . ( 4 ) في ب : علم . ( 5 ) في ب : للرسول . ( 6 ) سقط في ب .