أبي منصور الماتريدي
143
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ذكر من العلامة ، فكيف عير بهذه الأشياء ، ولم يكن له في ذلك صنع ، والمرء إنما يعير بما له فيه صنع لا بما لا صنع له فيه ؟ ! فيجاب عن هذا من وجهين : أحدهما : ما ذكرنا : أن ذكره بما فيه من العيوب ليس لمكان المذكور نفسه ، ولكن لزجر الناس عن اتباعه ؛ لأن من اشتمل على العيوب التي ذكرها ، وكان مع ذلك عتلا زنيما ، فأنفس الخلق تأبى عن اتباعه ، ففائدة تعييره بما أنشئ عليها ما ذكرنا من الحكمة لا تعييره . والثاني : أن ذكر أصله كناية عن سوء فعله ؛ ليعلم أن خبث الأصل يدعو الإنسان إلى تعاطي الأفعال الذميمة ، وصحة الأصل و [ حسنه ونقاوته ] « 1 » يدعو صاحبه إلى محاسن الأخلاق وإلى الأفعال المرضية . وقوله - عزّ وجل - : أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ . فيخبر أن من يتبعه ، يتبعه لكثرة أمواله وبنيه ؛ وذلك لأن كثرة المال للإنسان من أحد ما يستدعي قلوب الخلق إلى تعظيمه ، فذكر ما فيه من العيوب والمساوى ؛ لئلا يستميل قلوب الضعفة إلى نفسه بماله ، فيقول : كيف تتبعونه وهو بهذا الوصف الذي وصفه الله تعالى ؟ ! ثم أخبر عن معاملته رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، ثم قوله : إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، وإن كان عامّا بظاهره ، لكن لم يرد به العموم ؛ لأن [ قوله : ] إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ الأنعام : 25 ] ليس في كل الآيات ، وإنما هو في الآيات التي هي في حق الإخبار عن الأمم السالفة ، وأما إذا تليت عليه الآيات التي فيها دلالة إثبات الرسالة ودلالة التوحيد ودلالة البعث ، فقوله فيها ما قال في سورة المدثر : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [ المدثر : 24 ، 25 ] ، وهذا دليل على أنه لا يجب اعتقاد ظاهر العموم ما لم يعلم بيقين ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ . قيل « 2 » : شينا لا يفارقه ، فجائز أن يكون جعل هذا في الدنيا ؛ لكي يعلمه ويذكره من رآه فيجتنب صحبته ؛ فهو يصير شينا من هذا الوجه ؛ فيخرج هذا مخرج العقوبة لشدة تعنته
--> ( 1 ) في أ : وحبه وتفاوته . ( 2 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 34629 ) وعبد الرزاق وعبد بن حميد عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 394 ) .