أبي منصور الماتريدي
140
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ . يخرج على هذا - إن شاء الله تعالى - : هو أنك لو تركت ذكر آلهتهم بسوء ، ولم تسفه أحلامهم ؛ لامتنعوا هم أيضا عما هم عليه من نسبتهم إياك إلى الجنون والسحر والكذب وغير ذلك ، ولكنه كان يذكرهم [ بما يذكرهم ] « 1 » وهو في ذلك محق ، وهم كانوا يذكرونه بما قالوا بالباطل والزور ؛ فيكون قوله : فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ فيما يدعونك إلى المداهنة ، ثم هم لو داهنوا كانوا في مداهنتهم محقين ، فإذا تركوا ذلك فقد تركوا الحق الذي كان عليهم ، ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لو داهنهم ، لم يكن في مداهنتهم محقّا ؛ فلذلك نهي عن المداهنة . وقال بعض [ أهل التفسير ] « 2 » : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ، أي : لو ترفض ما أنت عليه من الدين ؛ فيرفضون ما هم عليه من الدين ؛ وهذا لا يستقيم ؛ لأنه إذا رفض ما هو عليه من الدين كفر ، وهم لو تركوا ما هم عليه ، صاروا مسلمين ، [ فيبقى بينهم الاختلاف ] « 3 » الذي لأجله دعوا إلى المداهنة وودوها . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . قيل : إن هذه الآيات نزلت في واحد يشار إليه ، وهو الوليد بن المغيرة المخزومي ، وفيما يشار إلى واحد لا يطلق فيه لفظة « كل » فيقال : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ، والحلاف المهين ليس إلا واحدا ، ولكن معناه : ولا تطع هذا ولا كل من يوجد فيه هذه الصفة ، ثم ذكر المرء بقوله : حَلَّافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ يخرج مخرج الهجاء والشتم في الشاهد ؛ لأن ذكر المرء بما هو عليه من ارتكاب الفواحش والمساوى تهجين [ له ] « 4 » وشتم ، وجل الله ورسوله [ أن يقصدوا إلى شتم إنسان ] « 5 » ، فالآية ليست في تثبيت فواحشه ، وإنما هي في موضع التوبيخ والزجر عن اتباع مثله ، وذلك أنه كان من رؤساء الكفرة ، وممن بسطت عليه الدنيا ؛ فكان القوم يتبعونه وينقادون له فيما يدعوهم إلى الصد عن سبيل الله ، فذكر الله تعالى فيه هذه الأشياء ، وأظهرها للخلق ؛ ليزهدهم عن اتباعه ؛ إذ كل من كانت فيه هذه الأحوال ، لم تسخ نفس عاقل باتباعه ، ولا احتمل طبعه طاعة مثله ؛ فلا يتمكن من صد الناس عن سبيل الله تعالى ،
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : المفسرين . ( 3 ) في ب : فيبقى الاختلاف بينهم لاختلاف . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : أن يشتموا إنسانا أو يقصدوا ذلك .