أبي منصور الماتريدي

137

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والأصل أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كلف معاملة أعداء الله تعالى « 1 » ومعاملة أولياء الله وأنصاره ، وكلف أن يرفض الدنيا ويتزهد فيها ، وكلف معاملة الصغير والكبير والعالم والجاهل والجن والإنس ، وكلف معاملة نسائه ، ومن كلف المعاملة مع هؤلاء ، لم يقم بها إلا بخلق عظيم ، ورزقه الله تعالى خلقا عظيما حتى احتمل المعاملة ، وقام معهم بحسن العشرة ، وحتى عوتب على عظيم خلقه بقوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] ، وبقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [ التحريم : 1 ] ، وقال : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ [ الكهف : 6 ] وقال : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] ، فالذي حمله على هذه المشقة والكلفة العظيمة حسن خلقه وفضل شفقته ورحمته ، فعظم خلقه أن خلقه جاوز قوى نفسه حتى ضعفت نفسه عن احتماله وكادت تهلك فيه ، وغيره من الخلائق تقصر أخلاقهم عن قوى أنفسهم ، وأنفسهم : تحتمل أضعاف ما هم عليه من الخلق وتضيق أخلاقهم عن ذلك ، فهذا الذي ذكرنا هو النهاية « 2 » في العظم ، وبالله التوفيق . قوله تعالى : [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 5 إلى 16 ] فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ( 6 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 7 ) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ( 9 ) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ ( 10 ) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ( 11 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ( 13 ) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ ( 14 ) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 15 ) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ( 16 ) وقوله - عزّ وجل - : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ . قال جعفر بن حرب : الْمَفْتُونُ في هذا الموضع هو المفتون بضلالته ، المعجب بخطئه المشغوف بجهله « 3 » . وقال الحسن : الْمَفْتُونُ هو الذي معه الشيطان . وقيل : الْمَفْتُونُ من به الفتنة كما يقال : فلان لا معقول له ، أي : ليس له عقل . وقيل : الْمَفْتُونُ : المعذب ؛ كقوله - عزّ وجل - : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 13 ] أي : يعذبون ؛ فكأنه يقول : ستعلمون أيكم المعذب ؟ وأيكم الضال ؟ إن حمل على ما ذكر الحسن ، وأيكم المغتر إن كان معناه على ما ذكروا أن المفتون من الفتنة .

--> ( 1 ) زاد في ب : ومعاملة أعدائه . ( 2 ) في أ : والنهاية . ( 3 ) في أ : المعجب بخطابه ، والمفتون بجهله .