أبي منصور الماتريدي
129
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وإذا جعل الابتداء دليل الإعادة ، لزمهم أن يستدلوا به ، فهو وإن ذكره على [ وجه الجمع لا على ] « 1 » وجه الاحتجاج ، ففيه موضع الاحتجاج عليهم . وقوله عزّ وجل : فِي الْأَرْضِ فيه إخبار أنه خلقهم في الأرض ؛ ليشاهد بعضهم خلق بعض في الابتداء ؛ فيعلموا أنهم لم يكونوا على الحالة التي هم عليها للحال ، بل كانوا نطفا وعلقا وأطفالا إلى أن انتهوا إلى الحالة التي هم عليها ، فإذا تقرر عندهم أمر الابتداء ، أوجب لهم ذلك علما بالقدرة على الإعادة . أو يكون قوله : فِي الْأَرْضِ أي : أنشأكم ، وجعل لكم مساكن في الأرض ، وبسطها لكم لتنتفعوا بها ، وجعلها لكم كفاتا ؛ فيكون فيه تذكيره النعمة والقدرة والسلطان . وقوله عزّ وجل : ذَرَأَكُمْ أي : كثركم من أصل واحد ، كما قال - تعالى - : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [ النساء : 1 ] . ومعلوم بأن الخلق على كثرتهم ، لم يكونوا في نفس واحدة ، ومن قدر على خلق الأنفس من نفس واحدة ، لقادر على إعادة ما قد سبق كونه . وقوله - عزّ وجل - : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، فقولهم هذا خرج مخرج الاستهزاء ، أو الاستخفاف برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فأمر الله - سبحانه وتعالى - نبيه - عليه السلام - أن يجيبهم بالجواب الذي يليق من الحكماء ، ولم يأذن له أن يجازيهم باستخفافهم إياه استخفافا مثله ؛ فقال : قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ يبين لهم أنه لا ينذرهم إلا بالذي أمره به ، ولا يبلغ إليهم إلا ما قد أنزل إليه ، وأمر بتبليغه ، وفي هذه الآية دلالة نبوته ، وآية رسالته ؛ لأنه لو لم يكن رسولا - كما زعموا - وكان مختلقا من تلقاء نفسه ، لكان يمكنه أن يحيل ذلك إلى وقت لا يظهر غلطه فيه ، ولا كذبه لديهم ، وهو أن يحيله إلى وقت لا يعيش إلى مثل ذلك الوقت ، فإذا لم يفعل ، بل قال : إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ دلهم ذلك على رسالته ، وأنه إذا كان رسولا ، لم يكن له أن يزيد في الرسالة ، ولا أن يتكلف من عنده فيها زيادة ؛ كما ذكر في قوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى [ عبس : 1 ] أن فيه ما يقرر رسالته عندهم من الوجه الذي يذكر في تلك السورة ، إن شاء الله تعالى . وقوله عزّ وجل : وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ، أي : لا أزيد في الإنذار على القدر الذي أمرت به . وقوله - تعالى - : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، جائز أن يكون قوله تعالى : رَأَوْهُ ، أي : رأوا الذي وعدوا ، وقوله : زُلْفَةً ، أي : قريبة . ثم أنت « الزلفة » ؛ لما أريد بها الأحوال التي تكون في ذلك اليوم من الأهوال
--> ( 1 ) سقط في أ .