أبي منصور الماتريدي

126

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

مستقيم هو الأهدى من الذي يختار الطريق المعوج الزائغ عن الرشاد ، فيكون في الوجه الأول معنى التخويف والتذكير والتنبيه جميعا ، وفي الوجه الثاني تذكير وتنبيه . وقولنا بأن فيه تعريف حال خلاف الحال التي هم عليها : أن كل واحد من الفريقين - أعني به : أهل الإسلام وأهل الكفر - يزعم أنهم على الهدى ، والفريق الآخر على الضلال ، وإذا اتفقت الدعاوي على تضليل أحد الفريقين ، ثم لا بد أن يكون جزاء الضال « 1 » غير جزاء المهتدي ، وجزاء الولي غير جزاء العدو . ثم الدنيا تمر على الفريقين على جهة واحدة ؛ فلا بد من تثبيت دار أخرى ، والقول بها للجزاء ، فيكون فيما ذكروا إيجاب القول بالبعث والإقرار به ، فهذا الذي ذكرنا هو يعرفهما خلاف الحالة التي هم عليها ؛ ولأن الذي يمشي مكبا على غير الطريق هو الأعمى الذي لا يبصر ، [ و ] المقعد الذي لا يقوى على المشي ، والذي يمشي سويا على صراط مستقيم هو الذي ليست به زمانة ولا به عمى يمنعه عن الصراط ؛ فيكون قوله : يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ هو الأعمى ، والذي يمشي سويا على صراط مستقيم هو السميع البصير ؛ فيكون معناه ما قال في سورة هود : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا [ هود : 24 ] . قوله تعالى : [ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 23 إلى 30 ] قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 23 ) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 25 ) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 26 ) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ( 27 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 28 ) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 29 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ( 30 ) وقوله - عزّ وجل - : قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ . فهذه الآية صلة قوله : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [ الملك : 2 ] ، وصلة قوله : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [ الملك : 3 ] ، وقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا [ الملك : 15 ] ، ثم في ذكر الإنشاء وجعل السمع والأبصار والأفئدة تذكير قوته وسلطانه وعلمه وحكمته وآلائه وتعاليه عن الأشباه والأمثال : فوجه [ تذكيره القوة ] « 2 » والسلطان والعلم والحكمة ما يوصف بعد هذا ، ويذكر في

--> ( 1 ) في أ ، ب : الضلال . ( 2 ) في أ : تذكير الوجه .