أبي منصور الماتريدي
121
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فصارت الكفرة في إنكارهم أمر البعث أعذر من المعتزلة في إنكارهم خلق الأفعال ، ولم يوجب القول بالقدرة على ابتداء الخلق قولا بالقدرة على إنشاء البعث والإعادة بعد الإفناء ؛ فثبت أن ليس في الآيات التي جعلها الله تعالى دلالة إثبات البعث على قولهم . والوجه الثاني : في تثبيت الوحدانية ، وجعل دليل وحدانيته توحده بخلق الأشياء وتفرده بإنشائها ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ [ الرعد : 16 ] ، وقال : وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [ المؤمنون : 91 ] ، وعلى قول المعتزلة : هو غير متوحد بخلق الأشياء ، بل أكثر خلق الأشياء كان بالعباد لا بالله تعالى ، وإذا لم يوجد منه التوحد والتفرد بخلق الأشياء ارتفع وجه الاستدلال من هذا الوجه على معرفة الصانع ووحدانيته « 1 » ، وإذا كان كذلك ، لم تثبت وحدانية الله تعالى - على قولهم - من الوجه الذي جعله دليل الإثبات . والوجه الثالث : وهو أن الآيات ذكرت في إثبات حكمة الله تعالى ، وجعل دليل حكمته خلق السماوات والأرضين وغيرهما من الأشياء ، ونحن إنما عرفنا خلق السماوات والأرضين بما شاهدناهما مجتمعين ، والاجتماع حادث فيهما ، وما لا ينفك عن الحادث فهو حادث ، والحادث لا بد له من محدث ، ولولا ذلك لم نعرفه ولا يثبت لنا خلقهما ، وعلى قول المعتزلة : الجمع والتفريق لا يدل على الخلق ؛ لأن كل من له القوة يقدر على جمع الأشياء وتفريقها ، والاجتماع والتفريق « 2 » فعل الجامع والمفرق ؛ لقولهم بالمتوالدات ، فمن استحكمت قوته أمكنه جميع الأشياء ؛ لقوته « 3 » ومن ضعفت قوته جمع على قدر ما ينتهي إليه قوته ، وإذا كان كذلك لم يتبين عند الخلائق على قولهم : إن الله - تعالى - هو الذي خلق السماوات والأرضين ؛ إذ خلقهما لا يعرف إلا من الوجه الذي ذكرنا ؛ وذلك مما [ لا ] يجوز تحققه إلا بالله تعالى . وجائز أن يكون الله تعالى أقدر ملكا من ملائكته وقواه على خلق السماوات والأرض ، وإذا كان كذلك لم يظهر بما ذكرنا : أن الله تعالى هو الخالق لهما ؛ فبطل أن يكون في خلق السماوات والأرضين « 4 » وفي خلق سائر الأشياء - دلالة حكمته وقدرته ووحدانيته ، وقد جعل الله تعالى خلقهما دلالة لهذه الأوجه التي ذكرناها .
--> ( 1 ) في أ : ووحدانية الرب . ( 2 ) في ب : والتفرق . ( 3 ) في ب : القوية . ( 4 ) زاد في ب : وفي خلق السماء والأرض .