أبي منصور الماتريدي
12
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
[ الإسراء : 9 ] ، وقوله : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى [ النجم : 39 ، 40 ] ، وإنما أراد العمل ، وكذلك روي عن عمر « 1 » وابن مسعود « 2 » وأبي وابن الزبير « 3 » - رضي الله عنهم - أنهم قرءوا : فامضوا إلى ذكر حتى قال عبد الله : « لو كانت القراءة فَاسْعَوْا لسعيت ، ولو سقط ردائي لم ألتفت إليه » « 4 » ؛ خوفا من تضييع حقها ؛ فذلك يدل على أن تأويل الأول عندهم على الإقبال والمبادرة إليها دون السرعة والمشي ، ولأن هذا موافق لسائر الصلوات في أن العدو غير مستحب ، والله أعلم . والحديث الوارد في السكينة الوقار مطلق ليس فيه فصل بين الجمعة وغيرها ، وعليه إجماع الفقهاء أنه يمشي إلى الجمعة على هينته ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَذَرُوا الْبَيْعَ قال بعض الناس بأنه إذا باع في وقت الجمعة ، لم يجز بيعه ؛ لهذه الآية . وعندنا أن البيع جائز ، لكنه مكروه . والذي يدل على جوازه أن النهي عن البيع في هذه الآية ليس لمكان البيع ، ولكن لمكان الجمعة ، فالفساد إذا ورد فإنما يرد في الجمعة لا في البيع ؛ لأنه إذا باع في الصلاة فالبيع يفسد الصلاة ؛ لأن الصلاة تفسد البيع ، ولأن الأصل عندنا أن كل عقد نهي لأجل غيره ، فالنقصان إذا ورد من النهي فإنما يرد في ذلك الغير لا في العقد ، وعلى هذا ما روي عنه - عليه السلام - أنه قال : « المحرم لا ينكح ولا ينكح » « 5 » إذ النهي عن النكاح إنما هو لمكان الإحرام ليس لمكان النكاح ؛ ولذلك نقول بجواز نكاح المحرم وبفساد الحج إذا جامع بذلك النكاح ؛ لأن النهي إذا لم يكن لنفس العقد لم يستقم فساد العقد والنهي ليس من أجله ، والله أعلم . ثم لما قال : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لم يقل : إلى الجمعة ، ولا : لها ؛ دل أنه قبل الجمعة
--> ( 1 ) أخرجه الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ( 34103 ) - ( 34108 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 328 ) وذكر له طرقا أخرى فانظرها . ( 2 ) انظر ما يأتي . ( 3 ) أخرجه ابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 328 ) . ( 4 ) أخرجه عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ( 34109 ) و ( 34110 ) وابن المنذر ، وابن الأنباري والطبراني من طرق عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 328 ) وذكر له طرقا أخرى فانظرها . ( 5 ) أخرجه مسلم ( 2 / 1030 ) كتاب تحريم نكاح المحرم ( 41 / 1409 ) وأبو داود ( 1 / 570 ) كتاب المناسك ، باب : المحرم يتزوج ( 1841 ) و ( 1842 ) والترمذي ( 2 / 189 ) أبواب الحج ، باب : ما جاء في كراهية تزويج المحرم ( 840 ) ، وابن ماجة ( 3 / 389 ) كتاب النكاح ( 1966 ) من حديث عثمان بن عفان .