أبي منصور الماتريدي
111
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
في الآخرة كما كانت تنفعهم في الدنيا ، فلما ألقوا فيها ، أيقنوا أن أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب ؛ ففزعوا إلى الاعتراف والصدق ؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب ، فقالوا : بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ ينذرنا عن لقاء هذا اليوم ، فَكَذَّبْنا بالذي كان ينذرنا النذر ، وقلنا : ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ مما تنذروننا به . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ . فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة ، أو هذا خطاب في الدنيا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ . وقوله - عزّ وجل - : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ . ففي قوله : بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ اعتراف منهم بأنهم قد سمعوا وعقلوا ، فقوله : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ، ليس هو على نفي السمع والعقل ؛ إذ قد أقروا أنهم سمعوا وعقلوا ، وإنما هو على نفي الانتفاع بما سمعوا وعقلوا ؛ لأن الانتفاع بالمسموع هو الإجابة لما سمع ، والانتفاع بالعقل أن يقوم بوفاء ما عقل ، وهم لم يجيبوا لما سمعوا ، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا . وقال بعضهم : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ : في الدنيا كما نسمع الآن ، أو كنا نعقل كما نعقل الآن ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ . وهذا غير مستقيم ؛ لأن تلك الدار ليست بدار إسماع « 1 » وإفهام ، وإنما المعنى ما ذكرنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ . أي : بعدا ، على معنى الدعاء عليهم . وقيل « 2 » : السحق : واد في جهنم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ . يحتمل : أي : الذين يخشون عذاب ربهم والعذاب عنهم غائب ، فأهل الإسلام يخشون عذاب الله وهو غائب عنهم ، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه . وجائز أن يكون قوله - عزّ وجل - : يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي : يخشون الله - تعالى - أن يعذبهم .
--> ( 1 ) في ب : استماع . ( 2 ) قاله سعيد بن جبير أخرجه ابن جرير ( 34497 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 383 ) .