أبي منصور الماتريدي

107

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أو يكون أحدهما على بصر الوجه ، والثاني على بصر القلب . والأشبه أن يكون على بصر القلب ؛ لأنه قد سبق « 1 » منه النظر إلى السماوات والأرضين ببصر الوجه ، وسبق منه العلم من حيث النظر أنه لا تفاوت فيها ولا فطور ، فدعاه إلى أن ينظر ببصر القلب ؛ ليدله ذلك على المعاني التي ذكرناها ؛ وهو كقوله - تعالى - : فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ آل عمران : 137 ] ، وقال تعالى : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [ الروم : 9 ] ، ولم يرد به السير بالأقدام ؛ إذ قد سبق منهم السير فيها ، ولكن معناه : أو لم يتفكروا في عواقب من تقدمهم من مكذبي الرسل أنهم بأي سبب أهلكوا ؟ ولأي معنى عوقبوا واستؤصلوا ؟ ثم قوله : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ . . . الآية منهم من قال : إن الكرتين هاهنا كناية عن مرة بعد مرة ، ليس على تثنية « 2 » العدد ، فكأنه أمره أن يكون أبدا معتبرا ناظرا في خلق الرحمن ؛ وإلى هذا يذهب الحسن والأصم . وجائز أن يكون قوله : كَرَّتَيْنِ مرتين ، ولكن على اختلاف « 3 » الوقتين ؛ فيكون أحد النظرين [ بالليل ] « 4 » والآخر « 5 » بالنهار ؛ لأنه يرى بالليل آيات وبالنهار آيات سواها ، وثبوت كل ذلك يدل على وحدانيته وعجيب حكمته ونفاذ قدرته وسلطانه . أو أن تكون النظرة الأولى ببصر الوجه والنظرة الثانية ببصر القلب ؛ لأنه إذا نظر النظرة الأولى ببصر وجهه ، فرأى « 6 » ما فيه من العجائب أشعر قلبه ما رأى ، فينظر فيه مرة أخرى ببصر القلب ؛ ليتأكد ذلك ويتكرر . ويجوز أن يكون النظران جميعا ببصر الوجه ؛ لأنه لا يستوعب النظر بالجملة في المرة الأولى ؛ فينظر [ مرة أخرى ] « 7 » ؛ ليدرك ما غاب عنه في المرة الأولى . وقوله - عزّ وجل - : خاسِئاً . أي : صاغرا مستسلما معترفا بالقصور عن درك كنه سلطانه والإحاطة بعظمته وجلاله . وَهُوَ حَسِيرٌ . أي : منقطع عن درك بلوغ حكمته ونفاذ أمره .

--> ( 1 ) في أ : سهل . ( 2 ) في أ : تثبيت . ( 3 ) في ب : خلاف . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في أ : وثانيتها . ( 6 ) في ب : فيرى . ( 7 ) في ب : في المرة الأخرى .