أبي منصور الماتريدي

10

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويجوز أن يكون مآلهما جميعا ، والله أعلم . ثم المباهلة في المتعارف إنما هي المحاجة في بلوغ العناد والتمرد غايته ، فكأنه لما قررت عندهم جميع الحجج فلم يقبلوها أمره بالمباهلة ؛ فلم يباهله اليهود والنصارى ؛ لأنه يجوز أن قد كان في كتابهم هذا أن المباهلة من غاية المحاجة وأن من باهل ، نزل عليه العذاب واللعنة إن لم يكن محقّا ؛ فلذلك امتنعوا من المباهلة ، وأما العرب من المشركين فلم يكن لهم كتاب يعرفون به حكم المباهلة فباهلوا ، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يقول : « اللهم انصر أحبنا إليك وأقرانا للضيف وأوصلنا للرحم » « 1 » فنصر الله تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأبو جهل باهله ؛ لأنه لم يكن له كتاب ، ولم يباهله اليهود والنصارى ؛ لما كانت لهم كتب عرفوا فيها حكم المباهلة ، والله أعلم . وقوله : وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ . هذه الآية تدل على رسالة رسولنا صلّى اللّه عليه وسلم لأنه لو كان يقوله من نفسه ، لكانوا يبادرون فيتمنون الموت للحال ؛ ليظهر كذبه فيه ، فلما أخبر أنه لا يتمنونه أبدا ، ولم يتمنوا ، تبين أنه قال من الوحي ، وأنهم علموا ذلك حتى امتنعوا عن التمني ؛ خوفا للهلاك على أنفسهم ؛ لعلمهم أنهم لو تمنوا لماتوا ، والله أعلم . وقوله : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ . أي : من تحريف التوراة والإنجيل ؛ لأن قول النصارى : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] لم يكن في الإنجيل ، وقول اليهود : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً [ البقرة : 111 ] لم يكن في التوراة ، ولكنهم غيروا وبدلوا ؛ فلا يتمنون الموت بما قدمت أيديهم من تحريف هذه الآيات وتبديلها وتغيير نعت محمد ، عليه الصلاة والسلام . وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . يعني : بظلمهم الآيات ، وعنادهم لها ، ومكابرتهم إياها . وقوله : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ . أي : الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف التوراة والإنجيل يلقاكم لا محالة وإن فررتم منه ؛ فيكون فيه تذكيرهم إن رجعوا عما يهربون منه ، يعني : الموت . وقوله : ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ . يعني : إلى عالم ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل ، وعالم ما غيبتم عن الخلق من

--> ( 1 ) تقدم .