أبي منصور الماتريدي
6
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ . قد ذكرنا في غير موضع أن التسبيح بحمد ربهم هو الثناء عليه ، والحمد له بالتبرئة والتنزيه عن جميع أوصاف الخلق ومعانيهم ، [ و ] عن جميع ما قال الملاحدة فيه . وقوله - عزّ وجل - : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا . هذه أرجى آية للمؤمنين ، والآيات التي فيها استغفار الرسل للمؤمنين من نحو قول نوح - عليه السّلام - حيث قال : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ نوح : 28 ] وقول إبراهيم - عليه السّلام - : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [ إبراهيم : 41 ] ، وما أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم أن يستغفر لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات إنما هو في الذنوب التي ليس له أن يعذبهم عليها ، وهي الصغائر ، وليس له أن يغفر الكبائر ، ويستدل على ذلك بقوله : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ، إنما أمره أن يستغفر للذي تاب ، فأما من لم يتب ، ولم يأمره بالاستغفار ، فيجب القول بما قلنا ؛ عملا بالآيتين . لكن نقول نحن : إنه لو كان استغفاره لمن ذكر خاصة لأصحاب الصغائر على ما قالوا ، يصير كأنه أمر النبي - عليه السّلام - أن يستغفر لهم ، ولا يحزن عليهم ؛ إذ هم مغفور ذنبهم ؛ فيحصل قولهم على ما ذكرنا ، وذلك وخش من القول ، واللّه أعلم . ثم يجيء أن يكون المعتزلة والخوارج في الظاهر أبعد الخلائق من المعاصي وأقربهم إلى الطاعات ، ونحن أقرب الخلائق إلى المعاصي وأبعدهم عن الطاعات ؛ لأنهم لا يرون النجاة إلا بأعمالهم ولا يرون برحمة اللّه ، ولا بشفاعة أحد ، ولكن بأعمالهم ؛ فيجب أن يكونوا أبدا متكلين ملازمين على الطاعات في كل وقت وساعة ، لا يعصون اللّه طرفة عين ، ونحن لم نر النجاة بالأعمال ، ولكن إنما نرى ذلك برحمة اللّه تعالى ، وبشفاعة من ارتضى بشفاعته ؛ فيجب أن نكون معتمدين على رحمة اللّه وفضله غير مشتغلين بشيء من الطاعات . ثم في الحقيقة يجب أن يكونوا هم أقرب الخلائق إلى المعاصي وأبعدهم من الطاعات ، ونحن ألزم الخلائق بالطاعات وأبعدهم من المعاصي ؛ لأنا نرى عند اللّه