أبي منصور الماتريدي

4

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يخبر أنه يقبل التوبة وإن عظمت المعصية ، وجلت الذنوب وكثرت ، واللّه أعلم . قال أبو عوسجة : التوب : جماعة التوبة . وقوله : شَدِيدِ الْعِقابِ . أي : لمن لم يتب . وقوله : ذِي الطَّوْلِ . قال أبو عوسجة « 1 » : أي : ذي القدرة . وقال القتبي : ذي التفضل ، يقال : طل عليّ برحمتك ، أي : تفضل . وقيل « 2 » : ذي السعة والغناء . وقيل « 3 » : ذي النعم ؛ وكله قريب بعضه من بعض . وقوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ . وحّد نفسه ، وأخبر أن مصير الخلق إليه في الآخرة فيجزيهم بأعمالهم ، واللّه أعلم . وقوله : ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا . أي : يجادل في دفع آيات اللّه والطعن في آيات اللّه الذين كفروا بالله أو كفروا بآيات اللّه ، وكانت مجادلتهم ما ذكر حيث قال : لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ أي : يبطلوا به الحق ، أهل الكفر هم الذين كانوا يجادلون في دفع آيات اللّه والطعن فيها ، فأما أهل الإيمان بها كانوا يفرحون بنزولها ويزدادون بذلك إيمانا ؛ كما قال تعالى : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [ الرعد : 36 ] وكقوله : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [ الأنفال : 2 ] ، ونحو ذلك من الآيات ، كانوا يستسلمون لها ويقبلونها ، ويستقبلون لها بالتعظيم والتبجيل ، وبالله التوفيق . وقوله - عزّ وجل - : فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ . معلوم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لا يغره تقلبهم في البلاد ، لكنه ذكر الخطاب له ، وأراد به غيره ؛ لما يحتمل أن يظن قوم أن أهل الكفر لما كانوا فيه من التقلب في البلاد والسعة في عيشهم وأن أهل الإيمان في ضيق وشدة وخوف - أن أولئك على الحق وهؤلاء على الباطل ، فجائز أن يظن ظان ما ذكرنا ، فأخبر اللّه - عزّ وجل - أن الأمن والسعة ، ليس بدليل على كون صاحبه على الحق ، ولا الضيق والشدة بدليل على كون صاحبه على الباطل ، ولكن محنة : امتحنهم مرة بالسعة

--> ( 1 ) وهو قول ابن زيد أيضا أخرجه ابن جرير ( 30274 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 30272 ) وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الأسماء والصفات كما في الدر المنثور ( 5 / 645 ) ، وهو قول مجاهد أيضا . ( 3 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 30273 ) وعبد بن حميد كما في الدر المنثور ( 5 / 645 ) .