أبي منصور الماتريدي

6

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 4 إلى 9 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 4 ) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 ) وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ( 7 ) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً ( 8 ) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ( 9 ) وقوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ يعنون هذا القرآن الذي أنزل على رسوله ، وكان يقرؤه عليهم ، يقولون : ما هذا إلا إفك - أي : كذب - افتراه من تلقاء نفسه ويخترعه من نفسه . إن أهل الشرك كانوا يكذبون الأنباء والأخبار من غير أن كانت لهم أسباب التي بها ما يوصل إلى معرفة صدق الأخبار وكذبها ، وذلك كانت عادتهم وهمّتهم ، والأسباب التي يعرف بها صدق الأخبار وكذبها هي الكتب السماوية والرسل التي نطقوا عن وحي السماء ، فكفار مكة لم يكن لهم واحد من هذين ، فكيف ادعوا على رسول الله اختلاق هذا القرآن واختراعه من نفسه ، وأنه مفترى ، على غير كون أسباب معرفة الكذب والصدق لهم في الأخبار ، مع ما ظهرت لهم آيات رسالته وأعلام صدقه في الأخبار ؛ حيث لم يؤخذ عليه كذب قط ، ولا رأوه اختلف إلى أحد من أهل الكتاب ، ولا كان يحسن أن يخط بيده كتابا ، وما قرع أسماعهم من أول الأمر إلى آخر الأبد قوله : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] ، وقوله : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ هود : 13 ] فدل عجزهم وترك تكلفهم ذلك على أنهم عرفوا أنه من عند الله ، وأنهم كذبة في قولهم : إنه إفك مفترى . وقوله : وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ، وقالوا : إنه إفك مفترى ، وأعانه على ذلك قوم آخرون في افترائه واختراعه ، وهم قوم من أهل الكتاب أسلموا ، وقد كانوا يجدون في التوراة والإنجيل نعته وصفته ، وما كان أنبأهم رسول الله ويخبرهم من الأنباء المتقدمة والأخبار الماضية ، فأخبروهم بذلك حين سألهم أولئك المشركون عما يخبرهم رسول الله ، وقالوا : إنه كما يقول ، وإنه صادق في ذلك كله ، وإنا نجد ذلك في كتابنا ، فلما سمعوا ذلك من أهل الكتاب ما سمعوا من تصديقهم إياه - عند ذلك قالوا : وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . ثم أخبر أنهم جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ، أما قوله : ظُلْماً لأنهم كذبوه ، و [ قالوا : ] إنه مفترى من غير أن كان لهم أسباب الكذب والصدق ، فهو ظلم ؛ حيث وضعوا ذلك [ في ] غير موضعه . وأما قوله : وَزُوراً لأنهم قالوا : إنه مختلق ، وإنه سحر ، وإنه إِنَّما يُعَلِّمُهُ