أبي منصور الماتريدي
3
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
المجلد الثامن سورة الفرقان كلها مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( 2 ) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً ( 3 ) قوله - عزّ وجل - : تَبارَكَ : قال أهل التأويل « 1 » : تبارك من التفاعل ، وهو من تعالى ؛ لأن البركة « 2 » هي اسم كل رفعة وفضيلة وشرف ، فكان تأويله : تعالى من التعالي والارتفاع . وقال أهل الأدب : تبارك : هو من البركة ، والبركة هي : اسم كل فضل وبر وخير ، أي : به نيل كل فضل وشرف وبر . قال أبو عوسجة : تَبارَكَ هو تنزيه ؛ مثل قولك : تعالى . وقال الكسائي والقتبي « 3 » : هو من البركة ؛ وهو ما ذكرنا . وقوله : نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ : سماه : فرقانا ؛ قال بعضهم « 4 » : لأنه يفرق بين الحق والباطل ، وبين الحلال والحرام ، وبين ما يؤتى وما يتقى ؛ وعلى هذا جائز أن يسمى جميع كتب الله التي أنزلها على رسله فرقانا ؛ لأنها كانت تفرق بين الحق والباطل ، وبين ما يحل وما يحرم ، وبين ما يؤتى وما يتقى ؛ ولذلك سمى التوراة : فرقانا بقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ [ الأنبياء : 48 ] . وأما القرآن : هو من قرن بعضه إلى بعض ؛ يقال : قرنت الشيء إلى الشيء إذا ضممته إليه ، قرن يقرن قرنا « 5 » .
--> ( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 26268 ) ، وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 114 ) . ( 2 ) ينظر : اللباب ( 14 / 472 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( ص 310 ) . ( 4 ) قاله قتادة أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 114 ) . ( 5 ) ثبت في حاشية أ : ومن لم يهمز القرآن ، وهو قراءة أهل مكة ، فمعناه على وجهين : أحدهما : أنه من قرأت . بهمزة الوجه الأولى في المعنى إلا أنه حذف همزه استخفافا ؛ لكثرة الاستعمال . والوجه الثاني : أن وزنه ( فعال ) ، من ( قرنت ) ، النون منه لام الفعل سمي بذلك ؛ لأنه قرن السور وما فيها بعضها إلى بعض ، وقال الشاعر : وكنت أعوذه بالقرآن * وأتفل كفى له حيث جد إفصاح .