أبي منصور الماتريدي
11
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
خيرا من ذلك « 1 » . ثم أخبر أن الذي حملهم على ذلك السؤال وأنواع الطعن فيه هو تكذيبهم بالساعة ؛ حيث قال : بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ حيث لم يروا لأمورهم عاقبة ينتهون إليها ؛ يثابون عليها أو يعاقبون . ثم أخبر ما أعدّ لهم بتكذيبهم الساعة فقال : وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً . ثم وصف ذلك السعير فقال : إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً . وقوله : رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ : يحتمل وجهين : أحدهما : يجعل لها أسبابا تراهم كما يرونها . والثاني إذا صاروا في مكان بحيث يرونها كأنها رأتهم . وقوله : وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً : قيل : إن النار ترفع ويعلو لهبها ، وترد من كان في أعلاها إلى أسفلها ، ويرد من كان في أسفلها إلى أعلاها ، فيجمعهم جميعا فيضيق عليهم المكان ويشتد بهم العذاب ، كلما ضاق عليهم المكان كان العذاب لهم أشد . وقوله : مُقَرَّنِينَ : قال بعضهم « 2 » : مقيدين بعضهم ببعض . ثم قال بعضهم : الشيطان يقرن ، ويقيّد كل بشيطانه الذي دعاه إلى دعائه واتبعه ؛ كقوله : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً . . . الآية . وقال بعضهم : يقرن العابد والمعبود من دون الله ، وهو الأصنام التي عبدوها ؛ كقوله : احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا . . . الآية . وقوله : دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً أي : هلاكا ، والثبور : الهلاك ؛ كقوله : وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً أي : هالكا . والثبور والويل : هما حرفان يدعو بهما كل من كان في الهلكة والشدة ، فقال : لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ، أي : لا تدعوا هلاكا واحدا ؛ كما يكون في الدنيا أن من هلك مرة لا يهلك ثانيا ، وأما في النار فإن لأهلها هلكات لا تحصى ؛ كقوله : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي : أسباب الموت تأتيهم من كل مكان وما هو بميت ؛ وكقوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ . . . الآية . وإنما يسألون ويدعون بالهلاك لما يرجون من الهلاك النجاة من ذلك العذاب ؛ وهكذا كل من ابتلي ببلاء شديد يتمنى الهلاك والموت .
--> ( 1 ) ينظر : اللباب ( 14 / 484 ) . ( 2 ) قاله أبو صالح بنحوه ، أخرجه ابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 117 ) .