أبي منصور الماتريدي
88
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
حقيقة ؛ لأنه عمل القلب والإكراه مما لا يعمل عليه ، والله أعلم . وتأويل قوله : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ أي : لا تملك أن تكرههم ، وكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم لشدة حرصه ورغبته في إيمانهم كاد أن يكرههم على الإيمان إشفاقا عليهم ؛ كقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قيل : بمشيئة الله ، وقيل : بعلم الله ، وقيل : بأمر الله « 1 » وبإرادته وهو ما ذكرنا لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله وإرادته في ذلك ، ولا يحتمل قوله : إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ سوى المشيئة والإرادة ؛ لأنه كم من مأمور بالإيمان لم يؤمن ، فلم يحتمل الأمر ولا يحتمل الإباحة لأنه لا يباح ترك الإيمان في حال وأصله ما ذكرنا ؛ أنه لا يحتمل أن يكون الله - عزّ وجل - يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له ويشاء لهم الولاية ؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز ؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجز فيه . وقوله - عزّ وجل - : وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ قيل : الإثم على الذين لا يعقلون « 2 » ، وقيل : ويجعل العذاب على الذين لا يعقلون « 3 » ، أي : لا يستعملون عقولهم حتى يعقلوا ، أو على الذين لا ينتفعون بعقولهم . وقال بعضهم : في قوله : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها أي : لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها عند نزول العذاب إلا قوم يونس . وقال بعضهم : فهلا كانت آمنت إذا رأت بأسنا ، فكانت مثل قوم يونس ، فإنهم آمنوا حين رأوا « 4 » العذاب ، وأصله ما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يكون الله تعالى يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له يسألهم ويشاء لهم الولاية ؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز ؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجزه فيه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قيل : وما كان لنفس في علم الله أنها لا تؤمن فتؤمن ، أي : لا تؤمن نفس في علم الله أنها لا تؤمن إنما يؤمن
--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 370 ) . ( 2 ) ذكره أبو حيان في البحر ( 5 / 193 ) ونسبه لابن عباس . ( 3 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 574 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة ، والبغوي في تفسيره ( 2 / 370 ) . وكذا أبو حيان في البحر ( 5 / 193 ) ونسبه للحسن والزجاج وأبي عبيدة . ( 4 ) في أ : يروا .