أبي منصور الماتريدي

86

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

على وجوه : أحدها : أن سائر القرى كان إيمانها عند إقبال العذاب إليهم ووقوعه عليهم ، فلم ينفعهم [ إيمانهم ] « 1 » إلا قوم يونس ، [ فإن إيمانهم إنما كان لتخويف العذاب فينفعهم . والثاني : يحتمل أن يكون قوم يونس ] « 2 » كان نزول العذاب بهم على التخيير والتمكين إن قبلوا الإيمان أمنوا دفع العذاب عنهم ، وإن لم يقبلوا نزل بهم . والثالث : [ إنما ] « 3 » كان إيمان سائر القرى بعد ما عاينوا مقامهم في النار فآمنوا ، فيكون إيمانهم إيمان اضطرار ، وقوم يونس آمنوا قبل أن يعاينوا ذلك ، ويشبه أن يكون قوله : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بعد وقوع العذاب والبأس ، فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ فإنهم آمنوا إذ عاينوا العذاب قبل أن يقع بهم ، وإيمان فرعون وقومه إنما كان بعد ما غرقوا وبعد ما خرجت أنفسهم من أيديهم فلم يقبل ، وإيمان قوم يونس كان قبل أن يقع العذاب بهم وأنفسهم في أيديهم بعد فقبل ، وهو ما ذكر عزّ وجل : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ . . . الآية [ الأعراف : 171 ] ، آمنوا بعد ما « 4 » عاينوا قبل أن يقع بهم وسائر الأمم الخالية كان منهم الإيمان بعد وقوع العذاب بهم من نحو عاد وثمود وأمثاله ، وأصله ما ذكرنا آنفا . وقوله - عزّ وجل - : لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . قوله : كَشَفْنا عَنْهُمْ : بحلول العذاب بهم ، عَذابَ الْخِزْيِ : هو العذاب الفاضح وإلا الخزي هو العذاب . وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً : قالت المعتزلة : [ قوله ] « 5 » : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ مشيئة القهر والقسر ، لو شاء لأجبرهم وقهرهم جميعا فيؤمنوا وإلا فقد شاء أن يؤمنوا مشيئة الاختيار لكنهم لم يؤمنوا ، واستدلوا على ذلك بقوله : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . فيقال لهم : إن مشيئة الاختيار هي الظاهرة عندكم ومشيئة الجبر والقهر غائبة « 6 » ، فإذا وجد منه مشيئة الاختيار فلم يؤمنوا ولم تنفذ مشيئته فيهم كيف يصدق هو في الإخبار عن

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : عندما . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) في أ : غايته .