أبي منصور الماتريدي
84
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما . . . الآية [ الإسراء : 23 ] ، ومعلوم أنه في وقت ما خوطب به لم يكن أبواه أحياء دل أنه أراد به غيره ؛ فعلى ذلك الأول . ومن قال : الخطاب والمراد به من غير « 1 » رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم يقول : إن الوفود من الكفرة كانوا يتقدمون رسول الله فيسألونه شيئا فشيئا فيخاطب الذي « 2 » يتقدم ، وكان يحضره الوحدان « 3 » والجماعة يقول : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ . وقوله : أَنْزَلْنا إِلَيْكَ على هذا التأويل هو منزل إليه ؛ إذ كل منزل على رسول الله منزل عليه وإليه وإلى كل أحد كقوله : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ الأعراف : 3 ] أمرهم باتباع ما أنزل إليهم دل أن كل منزل على رسول الله منزل عليهم . ومن قال : الخطاب والمراد به رسول الله قال لما لا يحتمل أن يكون رسول الله يشك في شيء مما أنزل إليه ، ولكنه يريد به التقرير عنده لقول الكفار إن الذي يلقي على محمد شيطان فيريد به التقرير عنده ، أو يخاطب به كل شاك ؛ كقوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي [ الانفطار : 6 - 7 ] هو يخاطب إنسانا واحدا ، ولكن المراد به كل إنسان مغرور وكل كافر ، وذلك جائز في القرآن كثير أن يخاطب به كلا في نفسه . ومن قال : خاطب به رسوله وأراد هو - أيضا - وهو كان في الابتداء على غير يقين أنه يوحى إليه أو لا ؛ كقوله : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ [ العنكبوت : 48 ] ، وقوله : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] فقال : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ الأنباء التي أخبرتهم وأنبأتهم وادعيت أنها أوحيت إليك ليخبروك على ما أخبرتهم . وقوله : فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ قال بعضهم : فاسأل الذين يقرءون الكتاب يعني من آمن منهم . وقال بعضهم : سل أهل الكتاب منهم يخبرونك ؛ لأنه مكتوب عندهم ؛ كقوله : يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ . . . الآية [ الأعراف : 157 ] . وقوله - عزّ وجل - : لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ قيل « 4 » : الحق القرآن جاء من ربك ، وقيل : جاء البيان أنه من عند الله .
--> ( 1 ) في أ : حضر . ( 2 ) في أ : الذين . ( 3 ) في أ : الوفد . ( 4 ) ذكره أبو حيان في البحر ( 5 / 191 ) .