أبي منصور الماتريدي

78

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال بعضهم من أهل التأويل : وجهوا بيوتكم ومساجدكم نحو القبلة لكن هذا بعيد ؛ لأنه لا يكون بيتا إلا ويكون جهة من جهاته إلى القبلة ، فلا معنى له . والوجه فيه ما ذكرنا . ويحتمل الأمر ببناء البيوت لقومهما بمصر وجعل البيوت قبلة وجهين : أحدهما : الأمر بالانفصال من فرعون وقومه حتى إذا أرادوا الخروج من عندهم قدروا على ذلك ولا يكون المرور عليهم وكان ذلك الانفصال إنما كان من جهة القبلة . والثاني : ما ذكرنا أرادوا أن يعتزلوهم حتى يتهيأ لهم الصلاة فيها ، وكان لا يتهيأ لهم في بيوت فرعون . وقوله - عزّ وجل - : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يحتمل البشارة في الآخرة بالجنة وأنواع النعيم [ ويحتمل أن يبشرهم بالملك في الدنيا والظفر على فرعون وأنواع النعم ] « 1 » بعد ما أصابوا الشدائد من فرعون ؛ كقوله : اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ المائدة : 20 ] . وقال أبو عوسجة : قوله : أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما تهيئا من هيأ ، أي : هيئا لهم موضعا ؛ كقوله : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [ يونس : 93 ] أي : هيأنا لهم مهيأ صدق . وقوله - عزّ وجل - : وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً ويحتمل قوله زِينَةً : من أنواع ما آتاهم من الأنزال والنبات ؛ كقوله : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ [ يونس : 24 ] ونحوه . ويحتمل الزينة التي كانوا يتزينون بها من المركب والملبس ، وما يتحلون بها من أنواع الحلي وأموال كثيرة سوى ذلك . وقوله - عزّ وجل - : رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ : قالت المعتزلة تأويل قوله : رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ أي : آتاهم لئلا يضلوا الناس عن سبيله ، ولكن أضلوهم عن سبيله وقالوا هذا كما يقال [ لم أقل كذا لأجل كذا ] « 2 » ، ولكن فعلت ونحوه من الكلام ، ولكن عندنا هو ما ذكر : آتاهم الأموال وما ذكر ليضلوا عن سبيله ؛ لأنه إذا علم منهم أنهم يضلون الناس عن سبيله آتاهم ما آتاهم ليضلوا وهو كما ذكرنا في قوله : إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [ آل عمران : 178 ] ؛ وقوله : نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ . . . الآية [ المؤمنون : 56 ] وأمثاله فكذا هذا والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ يحتمل هذا وجهين : يحتمل : أي : اطمس على أموالهم ، واجعل في قلوبهم قساوة وغلظة تنفر الأتباع ومن

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : لم تك هذا كذا لنفعل كذا .