أبي منصور الماتريدي
64
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وفي قوله : جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً وجوه من الدلالة : أحدها : ما ذكرنا من تذكير النعم يدعوهم به إلى الشكران « 1 » وينهاهم عن الكفران ، وفيه تذكير القدرة له حيث أنشأ هذا وأحدثه وأتلف الآخر ، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء ، وفيه دليل السلطان حيث يأخذهم الليل ويستر عليهم الأشياء شاءوا أو أبوا ؛ وكذلك النهار يأتيهم حتى يكشف وجوه الأشياء ويجلي شاءوا أو أبوا ، وفيه دليل التدبير والعلم لما ذكرنا من اتساق جريانهما على سنن واحد ومجرى واحد . وفيه دلالة وحدانية منشئهما « 2 » بين هاهنا فيما جعل الليل حيث قال : لِتَسْكُنُوا فِيهِ أخبر أنه جعل الليل للسكون والراحة ، فدل ذكر السكون في الليل على أنه جعل النهار للسعي وطلب العيش ، ألا ترى أنه قال في النهار : مُبْصِراً أي : يبصرون فيه ما يتعيشون « 3 » ، وهو ما ذكر في آية أخرى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ . . . الآية [ القصص : 73 ] . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ : ولم يقل : يبصرون فظاهر ما سبق من الذكر يجب أن يقال : لقوم يبصرون ؛ لأنه قال : وَالنَّهارَ مُبْصِراً ، لكن يحتمل قوله : يَسْمَعُونَ أي : يعقلون ؛ كقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ [ يونس : 42 ] . ويحتمل قوله : يَسْمَعُونَ [ ما ذكر من الآيات من أول السورة إلى هذه المواضع آيات لقوم يسمعون : ينتفعون بسماعهم أو يسمعون ] « 4 » أي : يجيبون كقوله : سمع الله لمن حمده : أي : أجاب الله . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 68 إلى 70 ] قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 68 ) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 69 ) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 70 ) وقوله - عزّ وجل - : قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ . قال بعضهم : أرادوا بقولهم : اتخذ الله ولدا حقيقة الولد ؛ كقوله : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ [ النحل : 57 ] [ . . . ] « 5 » .
--> ( 1 ) في أ : شكره . ( 2 ) في أ : منشئها . ( 3 ) في أ : يعيشون . ( 4 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 5 ) بياض في الأصل ولا يضر بالسياق .