أبي منصور الماتريدي

61

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ : يحتمل لا تبديل لكلمات الله من وعده ووعيده ، وذلك مما لا تبديل له ولا تحويل . ويحتمل لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ القرآن لا تبديل لما فيه من الوعد والوعيد وغيره . ويحتمل لا تبديل لما مضى من سنته في الأولين والآخرين من الهلاك والاستئصال بتكذيبهم الرسل والآيات ؛ كقوله : فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [ فاطر : 43 ] وقوله : فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [ الأنفال : 38 ] . ويحتمل قوله : لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي : لا تبديل للبشرى التي ذكر لهؤلاء الذين تقدم ذكرهم . ويحتمل لا تبديل لحجج الله وبراهينه ، أو لا تبديل لوعيد الله ووعده ونحوه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي : تلك البشرى هي الفوز العظيم ، أو ذلك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هو الفوز العظيم ؛ إذ لا خوف بعده . وقال بعضهم من أهل التأويل : لا خوف عليهم من النار ، ولا هم يحزنون أن يخرجوا من الجنة أبدا ، والوجه فيه ما ذكرنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يحتمل قولهم : ما قالوا في الله بما لا يليق به من الولد والشريك « 1 » ؛ يقول : لا يحزنك ذلك إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً « 2 » . ويحتمل قوله : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ الذي قالوا في القرآن إنه سحر وإنه مفترى ، أو قالوا في رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : إنه ساحر وإنه يفتري على الله كذبا . ويشبه أن يكون قوله : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ مكرهم الذي مكروا به ، وكيدهم الذي كادوه ، يؤيد ذلك قوله : إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ

--> ( 1 ) في أ : والشرك . ( 2 ) قيل : المعنى : إن جميع العزة والقدرة لله - تعالى - يعطي ما يشاء لعباده ، والغرض منه : أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه ، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو أعز منهم ، ونظيره : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] ، إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [ غافر : 51 ] . قال الأصم : المراد : أن المشركين يتعزّزون بكثرة خدمهم وأموالهم ، ويخوفونك بها ، وتلك الأشياء كلها لله - تعالى - فهو - تعالى - قادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء ، وينصرك ، وينقل أموالهم وديارهم إليك . فإن قيل : قوله : إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً كالمضادة لقوله : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] . فالجواب : لا مضادة ؛ لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله ، فهي لله . ينظر : اللباب ( 10 / 370 ) .