أبي منصور الماتريدي
6
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يأخذ العقول هو أن يذهب بعقله فيصير مجنونا . وقال فرعون لموسى : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً [ الإسراء : 101 ] أي : مجنونا ، لكن هؤلاء لم يريدوا بقولهم : لَسِحْرٌ مُبِينٌ : السحر الذي يأخذ العقول ، ولكن أرادوا السحر الذي يأخذ الأبصار ؛ يقولون : إنه وإن كان أخذ الأبصار في الظاهر فهو لا شيء في الحقيقة ، ولكن في قولهم : إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ دليل أنهم عجزوا عن رده ، وعرفوا أنه حق ، ولكن هم أرادوا التمويه على الناس ؛ كقول فرعون لسحرته حين آمنوا برب موسى : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [ طه : 71 ] أراد أن يموه على الناس ؛ والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 3 إلى 6 ] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 3 ) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 4 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 ) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ( 6 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ الأعراف : 54 ] : إن القوم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان ، ويتخذون الأحبار والرهبان أربابا من دون الله ؛ يقول : إن ربكم الله الذي يستحق العبادة والألوهية هو الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض لا الذي تعبدونه « 1 » .
--> ( 1 ) لما حكى عن الكفار تعجبهم من الوحي والبعثة والرسالة ، أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب ، وعلى الأعمال الباطلة بالعقاب ، وهذا الجواب إنما يتم بإثبات أمرين آخرين : أحدهما : إثبات أن لهذا العالم إلها قادرا قاهرا ، نافذ الحكم بالأمر والنهى والتكليف . والثاني : إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة ؛ حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - عن حصولهما ، فلذلك ذكر ما يدل على تحقيق هذين الأمرين . فأما إثبات الإله ، فيقول تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأعراف : 54 ] وأما إثبات المعاد ، فبقوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا [ يونس : 4 ] فهذا ترتيب في غاية الحسن . فإن قيل : كلمة « الذي » وضعت للإشارة إلى شيء معروف عند السامع ، كما إذا قيل لك : من زيد ؟ فتقول : الذي أبوه منطلق ، فهذا التعريف إنما يحسن لو كان « أبوه منطلق » أمره معلوما عند السامع ، فهاهنا لما قال : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يوجب أن يكون ذلك أمرا معلوما عند السامع ، والعرب ما كانوا عالمين بذلك ، فكيف يحسن هذا التعريف ؟ -