أبي منصور الماتريدي

596

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ النحل : 73 ] ، وقوله : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً . . . الآية [ النحل : 75 ] ، وقوله : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ . . . الآية [ النحل : 76 ] ، وقوله : وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ . . . الآية [ النحل : 71 ] ، ونحو هذا . يجادلهم بأحسن المجادلة بالذي يقرون أنه كذلك على الذي ينكرون ؛ فيلزمهم القبول والخضوع له . ثم في الآية دلالة تعليم المناظرة في الدين وكيفية المعاملة - بعضهم لبعض - فيها ؛ حيث قال : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ : التي عنده بالقرآن أو غيره من الحجج والبينات ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ : هكذا يجب أن يناظر بعضهم بعضا بالوجه الذي وصف الله ، وعلى ذلك ما ذكر الله في كتابه : مناظرة الأنبياء والرسل مع الفراعنة والأكابر ، وهو ما قال : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ . . . [ البقرة : 258 ] إلى آخر ما ذكر ، وقوله : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ . . . الآية [ الأنعام : 80 ] ، [ و ] مناظرة فرعون مع موسى - صلوات الله عليه - حيث قال : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ . قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . الآية [ الشعراء : 23 ، 24 ] ، ولما قال : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [ الشعراء : 28 ] ، وقوله : فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَأَلْقى عَصاهُ [ الشعراء : 31 ، 32 ] ، وما قال : قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى . قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 49 ، 50 ] وأمثاله ممّا يكثر ، فهذه مناظرة الرسل والأنبياء مع الفراعنة والأعداء ؛ فكيف المناظرة بين الأولياء ؟ ! فهذا كله يردّ على من يأبى المناظرة في الدين ويمتنع عن التكلم فيه والاحتجاج . وقوله - عزّ وجلّ - : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ . في الآية نسبتهم إلى الضلال إشارة وكناية لا تصريحا ؛ لأنه لم يقل لهم مصرحا : إنكم قد ضللتم عن سبيله ؛ لحسن معاملته التي علم رسوله وأمره أن يعاملهم ؛ لأن ذلك أقرب إلى القبول وأميل إلى القلوب وآخذ « 1 » ؛ ألا ترى أنه قال لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ . اختلف في سبب نزول ذلك :

--> ( 1 ) في أ : وأحن .