أبي منصور الماتريدي
586
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
تستطيب ؛ بل تكره ، وقوله : تستطيب له أنفسكم وتتلذذ به ، لا ما تستخبث [ به ] « 1 » ؛ لأنّ الله جعل غذاء البشر ما هو أطيب وألذ ، وجعل للبهائم والأنعام ما هو أخبث وأخشن ؛ لأن ما هو أطيب أدعى للشكر له . ويحتمل أن يكون قوله : فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً : لا تبعة عليكم . وفي الآية دلالة أنه قد يرزق ما يخبث ولا يحل على ما يختاره ؛ حيث شرط فيه الحلال . وقوله - عزّ وجلّ - : وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ . الشكر له عليهم لازم ، وإن لم تعبدوا ؛ وهو كقوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 1 ] : طاعته وطاعة رسوله واجبة ، وإن لم يكونوا مؤمنين ، أو يقول : وجهوا شكر نعمه إليه إن كنتم عابدين له بجهة ، أي : افعلوا العبادة له والشكر في الأحوال كلها . وقوله - عزّ وجلّ - : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ [ البقرة : 173 ] . أي : حرم أكل الميتة وما ذكر ؛ كأنه قال هذا ، وذكر على أثر تحريمهم أشياء أحل لهم - لحوما حرموا على أنفسهم - أشياء أحل لهم : من الزرع والأنعام ، والبحيرة والسّائبة ، وما ذكر ؛ فقال : لم يحرم ذاك ؛ ولكن إنما حرّم ما ذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه ، على هذا يجوز أن يخرج تأويله ، وأمّا على الابتداء فإنه يبعد ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجلّ - : فَمَنِ اضْطُرَّ . إلى ما ذكر من المحرمات . غَيْرَ باغٍ . على ما نهى عنه ، وهو الشبع ؛ كقوله : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ [ المائدة : 3 ] . وَلا عادٍ . إليه . وقال بعضهم : غَيْرَ باغٍ : يستحله في دينه ؛ فلا عاد ولا متعدّ في أكله . وقال بعضهم : غير باغ : على المسلمين مفارق بجماعتهم مشاقّ لهم ، ولا عاد : عليهم ؛ يستفهم ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم وأقاويلهم . وأمّا تأويله عندنا : غَيْرَ باغٍ : على المسلمين سوى دفع الإهلاك عن نفسه ، وَلا
--> ( 1 ) سقط في أ .