أبي منصور الماتريدي

584

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً . اختلف في ضرب المثل بهذه الآية « 1 » ، وفي نزولها : قال بعضهم : ضرب المثل لأهل مكة ، وفيها نزلت - بقريات نزل بهم العذاب ؛ بتكذيبهم رسلهم في بني إسرائيل ، يحذر أهل مكة بتكذيبهم رسول الله نزول العذاب بهم كما نزل بأوائلهم . وقال بعضهم : ضرب المثل لأهل المدينة ، وفيهم نزل بأهل مكة ؛ يحذر أهل المدينة ؛ لئلا يكذبوا محمدا كما كذب أهل مكة ؛ فيحل بهم كما حل بأهل مكة من الناس الجوع والخوف ؛ بالتكذيب . وقوله - عزّ وجلّ - : قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ . قيل « 2 » : هي مكة ؛ أهلها كانوا آمنين فيها من خير أو شر ، مطمئنين يأتيهم رزقهم من كل مكان . ويحتمل قرية أخرى غيرها ؛ كانوا على ما ذكر . وقوله - عزّ وجلّ - : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ .

--> ( 1 ) اعلم أنه - تعالى - هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة ، وهددهم أيضا بآفات الدنيا ، وهي الوقوع في الجوع والخوف ، كما ذكر - تعالى - في هذه الآية . واعلم أن المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة ، سواء كان ذلك الشيء موجودا أو لم يكن ، وقد يضرب بشيء موجود معين ، فهذه القرية يحتمل أن تكون موجودة ويحتمل أن تكون غير موجودة . فعلى الأول ، قيل : إنها مكة ، كانت آمنة ، لا يهاج أهلها ولا يغار عليها ، مطمئنة قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتجاع كما يفعله سائر العرب ، يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ [ النحل : 112 ] ، يحمل إليها من البر والبحر ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [ النحل : 112 ] ، جمع النعمة ، وقيل : جمع نعمى ، مثل بؤسى وأبؤس فأذاقهم لباس الجوع ، ابتلاهم الله بالجوع سبع سنين ، وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ، حتى جهدوا وأكلوا العظام المحرقة ، والجيف والكلاب الميتة والعلهز : وهو الوبر يعالج بالدم . قال ابن الخطيب : والأقرب أنها غير مكة ؛ لأنها ضربت مثلا لمكة ، ومثل مكة يكون غير مكة . وهذا مثل أهل مكة ؛ لأنهم كانوا في الطمأنينة والخصب ، ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة ، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلّم فكفروا به ، وبالغوا في إيذائه ، فسلط الله عليهم البلاء وعذبهم بالجوع سبع سنين ، وأما الخوف فكان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم . ينظر : اللباب ( 12 / 172 ، 173 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 21956 ) ، وهو قول مجاهد وقتادة وابن زيد وعطية .