أبي منصور الماتريدي

582

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يحتمل : غافلون عن النظر في آياته وحججه ، ويحتمل : غافلون عما يحل بهم ؛ بكفرهم وتكذيبهم آيات الله وحججه . وقوله - عزّ وجلّ - : لا جَرَمَ . قد ذكرنا ما قيل فيه : لا بد ، وحقّا ، وقيل : هو حرف وعيد . لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ . قال الحسن : إنهم - والله - خسروا الجنة ورحمة الله ، خسروا أهلهم ومنزلهم الذي كان لهم في الجنة ، وخسروا منهم أنفسهم حين قذفوها في النار . وقال أبو بكر الأصم : خسروا النعم الدائمة الباقية بالزائلة الفانية ، وخسروا أنفسهم ؛ حيث قتلوا ، وأسروا في الدنيا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا . قيل : عذبوا على الإيمان بمكة ، ثم جاهدوا مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأصحابه عدوّهم ، وصبروا على ذلك . إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . قيل : من بعد الفتنة لغفور لما كان منهم ، ( رحيم ) ذكر مرتين : أحدهما : قوله : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا ، ثم قال : إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ، [ قيل : من بعد الفتنة ] « 1 » فيجيء أن يكتفى بواحد يقول : لغفور رحيم موصولا بقوله : للذين فعلوا ما ذكر ، لكنه ذكر مرتين - والله أعلم : إنه لغفور لهم يعني : لهؤلاء الذين فتنوا وعذبوا ، ولغيرهم . ذكر أهل التأويل « 2 » أن أناسا من المؤمنين خرجوا إلى المدينة فأدركهم المشركون ؛ ليردوهم ؛ فقاتلوهم ؛ فمنهم من قتل ، ومنهم من نجا ؛ فأنزل الله - تعالى - : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا . . . الآية . ومنهم من يقول - أيضا - : فيهم نزل قوله : ألم . أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا . . . الآية [ العنكبوت : 1 ، 2 ] . وأكثرهم قالوا « 3 » : إن قوله : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه عبد بن حميد وابن جرير ( 21952 ) ، وابن المنذر ، كما في الدر المنثور ( 4 / 250 ) . ( 3 ) قاله ابن عباس ، أخرجه عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير ( 21944 ) ، ( 21945 ) ، وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم ، وصححه والبيهقي في الدلائل عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 248 ) .