أبي منصور الماتريدي
580
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
استعماله ، وذلك بفضله ومنّه . وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً . ومن شرح صدره بالكفر فهو كافر به إن كان ليس على الإكراه ؛ لما ذكرنا أنه باختياره الكفر ينشرح له الصّدر لما لا يعمل الإكراه على القلب . فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . ظاهر . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ بِأَنَّهُمُ . أي : ذلك الغضب والعذاب بأنهم . اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ . يحتمل وجهين : أحدهما : استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ؛ جحودا وإنكارا ، وإلا نفس الاستحباب قد يكون من المؤمن ؛ فلا يزيل « 1 » عنه اسم الإيمان ؛ كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى قوله - تعالى - أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [ التوبة : 38 ] ؛ فلم يزل عنهم اسم الإيمان باختيارهم واستحبابهم الحياة الدنيا ؛ فدلّ أن الأول عن الجحود له والإنكار ، وهذا على الميل إليه دون الجحود ؛ أو أن يكون كذلك لما لم يروا الآخرة كائنة لا محالة ولكن ظنّا ظنّوا لعلها كائنة ؛ كقولهم : إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [ الجاثية : 32 ] وأمّا أهل الإسلام فإنهم لم يكونوا فيها ظانين [ متشككين ] « 2 » ؛ ولكن متحققين مستيقنين ؛ فاستحقوا بذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ . وقت اختيارهم الكفر ؛ [ لأن الله ] « 3 » لا يهدي القوم المختارين الكفر على الإيمان ؛ وقال ذلك لقوم علم الله أنهم يختارون الكفر ، وأنهم يموتون على الكفر ؛ فلا يهديهم « 4 » .
--> ( 1 ) في أ : يزول . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : أو أنه . ( 4 ) أي : ذلك الارتداد إنما حصل لأجل أنه - تعالى - ما هداهم إلى الإيمان ، وما عصمهم عن الكفر . قال القاضي : المراد : أن الله - تعالى - لا يهديهم إلى الجنة ، وهذا ضعيف ؛ لأن قوله - تعالى - : وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [ النحل : 107 ] ، معطوف على قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ [ النحل : 107 ] ؛ فوجب أن يكون قوله : وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [ النحل : 107 ] ، علة وسببا موجبا لإقدامهم على ذلك الارتداد ، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سببا لذلك الارتداد ولا علة ، بل كسبا عنه