أبي منصور الماتريدي
565
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ترى أنهم يكذبون يوم الحشر عند معاينتهم الآيات ، وهو قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ إلى قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 22 ، 23 ] : أخبر أنهم يكذبون وقد عاينوا الآيات ، وليست الآية التي تنزل عليهم في الدنيا بأعظم من الآيات التي يعاينونها يوم القيامة ، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب ؛ دلّ أن الآية ليست تحملهم على الإيمان ، ولا تضطرهم عليه ، ولكن لو شاء لآمنوا بالاختيار فيبطل تأويله . ثم الآية تحتمل عندنا وجهين : أحدهما : قوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً بظاهر السبب الذي إذا أعطاهم لآمنوا له ، وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . . . الآية [ الزخرف : 33 ] : أخبر أنه لو ما يرغب الناس في الكفر فيكونون كفارا كلهم ، وإلا جعل سقف أهل الكفر ومعارجهم من فضة ؛ فلو أنه جعل ذلك بعينه لأهل الإسلام وفي أيديهم لآمنوا - أيضا - كلهم ؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ذلك في أيدي الكفرة ؛ فيحمل أهل الإسلام على الكفر ، وإذا كان ذلك بعينه لأهل الإسلام - لا يحمل أهل الكفر على ترك الكفر والدخول في الإسلام . والوجه الثاني : لو شاء لجعلهم أمّة واحدة بلطف منه : يشرح صدره للإسلام من غير أن يعلم أن أحدا ألقى ذلك في قلبه ، من نحو ما مكّن للشيطان عدو الله ؛ حتى يقذف في قلوب الخلق ويلقي وساوس ، من غير أن يعلموا أن أحدا دعا إلى ذلك وألقى إلى قلوبهم ؛ ألا ترى أن إبليس لما وسوس إلى آدم - عليه السلام - ليتناول من الشجرة التي نهى عنها ربّه لو علم أنه إبليس لما أجابه ، وكذلك ما مكن للملائكة من تثبيت قلوب الذين آمنوا ، وإلقاء أشياء في قلوبهم ، ويلهمونهم ، وهو قوله : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [ الأنفال : 12 ] من غير أن يعلموا [ أنّ ] « 1 » أحدا دعاهم إلى ذلك ، أو ألقى أحد ذلك في قلوبهم ؛ فمن ملك تمكين عدوه وملائكته على ما ذكرنا يملك شرح الصّدر للإسلام والدعاء إلى ذلك من غير أن يعلموا أن أحدا فعل ذلك . وقوله - عزّ وجلّ - : وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ . على قول الحسن : على الحكم لذلك . وقال أبو بكر الأصم : يضل بالنهي من نهى ، ويهدي بالأمر . لكن هذا فاسد ؛ لأنه لو كان بالنهي مضلّا وبالأمر هاديا - لكان مضلّا للأنبياء والرسل ؛ لأنه قد نهاهم بمناه ؛ فيكون مضلّا لهم .
--> ( 1 ) سقط في أ .