أبي منصور الماتريدي

553

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال بعضهم « 1 » قولهم : هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ : الأصنام التي عبدوها . فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ : أي : يكذبونهم ، وهو ما ذكر : إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ [ يونس : 29 ] ؛ يكذبونهم فيما قالوا ، ويخبرون أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم . وقال بعضهم : شركاؤهم الملائكة الذين عبدوهم ، كقوله : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ . قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ [ سبأ : 40 ، 41 ] : أخبر أنهم إنما عبدوا الجن بأمرهم ولم يعبدوهم ، أو يكون شركاؤهم رؤساءهم الذين انقاد الأتباع لهم ويحتمل الأصنام وما ذكر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ . هو ما ذكرنا : يقولون لهم : إنكم لكاذبون ، أو يكذبونهم فيما يزعمون ويدعون . وقوله - عزّ وجل - : وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ . أي : يخضعون كلهم لله يومئذ ، ويخلصون له الدين ، ويسلمون له الأمر والألوهية . وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ . أي : بطل عنهم ما طمعوا بعبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها من الشفاعة وغيرها ؛ كقولهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ، وقولهم : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] : بطل عنهم ما طمعوا ورجوا من عبادة أولئك من الشفاعة لهم ، والقربة إلى الله . وقوله - عزّ وجل - : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ . قال بعضهم : هؤلاء كانوا رؤساء الكفرة وقادتهم ضلوا هم بأنفسهم وأضلوا أتباعهم ؛ فلهم العذاب الدائم بكفرهم بأنفسهم ، وزيادة العذاب بإضلال غيرهم ، وهو كقوله : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ النحل : 25 ] ، وكقوله : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ . . . الآية [ العنكبوت : 13 ] : [ أخبر أنهم يحملون أوزارهم ] « 2 » وأوزار الذين أضلوهم ومنعوهم عن الإسلام ؛ فعلى ذلك قوله : زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ ؛ بما أضلوا أتباعهم ، وسعوا في الأرض بالإفساد ، وهو قول

--> ( 1 ) قاله ابن جرير ( 7 / 631 ) ، والبغوي ( 3 / 81 ) . ( 2 ) سقط في ب .