أبي منصور الماتريدي

548

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا . يحتمل قوله : ظِلالًا البيوت التي ذكر وهي تظلهم ، ويحتمل الأشجار . وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً . وهي الغيران والبيوت التي تتخذ في الجبال ؛ تقيهم من الحرّ والبرد « 1 » . وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ . قيل : القميص والدروع ، ثم ذكر أن ما ذكر من البيوت والأكنان والسرابيل تقيكم الحرّ ، وتقيكم « 2 » أيضا بأس العدو . كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ . [ على ] « 3 » ما ذكر من أنواع النعم . وقوله - عزّ وجل - : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ . ذكر أنها تقى من الحر ، وهي تقى الحرّ والبرد جميعا ؛ فكان في ذكر أحدهما ذكر الآخر ذكر كفاية « 4 » .

--> ( 1 ) وأكنانا : جمع ( كن ) ؛ وهو ما حفظ من الريح والمطر ، وهو في الجبل : الغار ، وقيل : كل شيء وقى شيئا ، ويقال : استكن وأكن ، إذا صار في كن . واعلم أن بلاد العرب شديدة الحر ، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر شديدة ؛ فلهذا ذكر الله - تعالى - هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة ، وذكر الجبال ولم يذكر السهول وما جعل لهم من السهول أكثر ؛ لأنهم كانوا أصحاب جبال ، كما قال - تعالى - : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها ؛ لأنهم كانوا أصحاب وبر وشعر ، كما قال - عزّ وجل - : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [ النور : 43 ] وما أنزل من الثلج أكثر لكنهم كانوا لا يعرفون الثلج . ينظر : اللباب ( 12 / 134 ) . ( 2 ) زاد في ب : بأسكم . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) قال الزجاج - رحمه الله - : ( كل ما لبسته فهو سربال ، من قميص أو درع أو جوشن أو غيره ) وذلك لأن الله - تعالى - جعل السرابيل قسمين : أحدهما : ما يقي الحر والبرد . والثاني : ما يتقى به من البأس والحروب . فإن قيل : لم ذكر الحر ولم يذكر البرد ؟ فالجواب من وجوه : أحدها : قال عطاء الخراساني : المخاطبون بهذا الكلام هم العرب ، وبلادهم حارة يابسة ، فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحر أشد من حاجتهم إلى ما يدفع البرد ، كما قال - سبحانه وتعالى - : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها وسائر أنواع الثياب أشرف ، إلا أنه - تعالى - ذكر هذا النوع ؛ لأن عادتهم بلبسها أكثر . والثاني : قال المبرد : ذكر أحد الضدين تنبيه على الآخر ، كقوله : [ الطويل ] كأن الحصى من خلفها وأمامها * إذا نجلته رجلها خذف أعسرا