أبي منصور الماتريدي

522

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

آباؤهم لم يولد الرسل والأنبياء ، فيكون هلاكهم لا بظلم هؤلاء ولكن بقطع النسل . وإن كان المراد بتلك الدابة الدواب أنفسها فلأن الدواب إنما أنشئت للبشر ولمنافعهم ، فإذا أهلكت الدواب أهلك « 1 » المنشأ لهم ، والله أعلم . وفي قوله : لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ دلالة [ نقض ] « 2 » قول المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : يجعل الله للخلق آجالا ، ثم يجيء كافر فيقتله دون بلوغ الأجل الذي جعله الله ؛ حيث أخبر أنهم لا يستأخرون [ ساعة ] « 3 » - بعد الأجل المضروب لهم - ولا يستقدمون قبل ذلك ، وهم يقولون : بل يستقدمه كافر فيقتله ، فذلك سرف في القول . وهذا يخرج على وجهين : أحدهما : لا يتأخر الأجل الذي جعل لهم ساعة ولا يتقدم عن ذلك . والثاني : لا يجاب في التأخير ولا في التقديم . وقوله - عزّ وجل - : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ . كانوا يجعلون لله أشياء يكرهون ذلك لأنفسهم من نحو البنات ، يقولون : لله البنات ؛ ويكرهون لأنفسهم البنات ، ويجعلون له الشركاء من عبيده ؛ وهم كانوا يكرهون لأنفسهم الشركاء من عبيدهم ، وأمثاله ؛ كقوله : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ . . . الآية [ الروم : 28 ] يخبر - عزّ وجل - عن سفههم وسرفهم في القول ، ويخبر عن حلمه ؛ حيث لم يستأصلهم ولم يهلكهم مما قالوا في الله من عظيم القول من الولد والشريك ؛ لنعلم أنه لم يمهلهم لغفلة ولا سهو ولكن لحلم « 4 » ؛ لأن يحلم الخلق في ذات الله ولا يعجلوا بالعقوبة ؛ إذ لو أراد إهلاكهم « 5 » لأهلكهم ساعة قالوا ذلك ؛ ولا يمهلهم « 6 » يعيشون ، لكن أخر ذلك ليوم ، وهو ما قال : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا . . . [ إبراهيم : 42 ] الآية . وجائز أن يكون قوله : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ أي : يجعلون لأولياء الله مما يكرهون لأنفسهم ؛ لأنهم يقولون : إن لهم الحسنى في الآخرة ؛ وهي الجنة ، وإن للمؤمنين النار ؛ بقوله : وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [ فصلت : 50 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ .

--> ( 1 ) في ب : أهلكت . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : بحلم . ( 5 ) في ب : هلاكهم . ( 6 ) في ب : يهملون .