أبي منصور الماتريدي

516

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والشدة هو الكاشف لهم والدافع عنهم ، ثم يكفرونه ويصرفون « 1 » شكرها منه إلى غيره في حال الرخاء والسعة ، ويؤمنون به في حال الشدة والبلاء ؛ فيقول : أنا المنعم عليكم تلك النعم ، وأنا المالك للكشف « 2 » عنكم لا الأصنام التي عبدتموها ، فكيف كفرتم بي في وقت الرخاء والسّعة وآمنتم بي في وقت الضيق والبلاء ؟ ! كانوا يخلصون له الدين في وقت ويشركون غيره في وقت ، فيقول : أديموا لي الدين بقوله : وَلَهُ الدِّينُ واصِباً ولا تتركوا الإيمان بي في وقت وتؤمنوا بي في وقت ، وكذلك كان عادتهم : كانوا يكفرون بربهم في حال الرخاء والسعة ، ويؤمنون به في حال البلاء والشدة ؛ كقوله : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ . . . [ العنكبوت : 65 ] الآية . ويحتمل أن يكون فرض الجهاد على المسلمين والقتال معهم لهذا المعنى ؛ لأن من عادتهم الإيمان في وقت البلاء والشدة والخوف ، ففرض عليهم القتال معهم ؛ ليضطروا إلى الإيمان فيؤمنوا ويديموا الإيمان ، ومنذ فرض القتال معهم كثر أهل الإسلام فدخلوا فيه فوجا فوجا ، وكان قبل ذلك يدخل فيه واحدا واحدا . وفيه دلالة إثبات رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلّم [ حيث ] « 3 » قال : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ فإنما أخبر عما عرفوا وتقرر عندهم أن كل ذلك من عند الله ؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ . هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن يجعلوا ما آتاهم الله وأنعم عليهم سبب كفرهم بالله . والثاني : يكفرون بنعم الله - تعالى - بعبادتهم الأصنام ، وصرفهم الشكر عنه . ويشبه أن يكون إخباره عن سفههم من وجه آخر ؛ وهو أنهم لم يروا في البشر أحدا يطاع ويخضع إلا أحد رجلين : دافع بلاء عنه ، أو جارّ نفع إليه ، فالأصنام التي عبدوها ليس منها دفع بلاء ولا جرّ منفعة ، فلما ذا يعبدونها ؟ وقال أبو بكر : لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ : [ أي ] « 4 » بالقرآن . وقوله - عزّ وجل - : فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . هذا وعيد من الله لهم ، يقول : فسوف تعلمون ما ينزل بكم من كفران نعمة وصرف

--> ( 1 ) في أ : ويعرفونه . ( 2 ) في أ : عن الكشف . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في ب .