أبي منصور الماتريدي
500
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
في الآخرة . وقوله تعالى : كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . هذا يحتمل وجهين : أحدهما : كذلك فعل المعاندون ، والمكابرون ، الذين كانوا من قبل برسلهم ؛ من التكذيب لهم ، والعناد ، وتركهم الإيمان إلى الوقت الذي ذكر ، كما فعل قومك من التكذيب لك يا محمد والعناد . ويحتمل كذلك فعل الذين من قبلهم ؛ أي : هكذا أنزل « 1 » العذاب بمن كان قبل قومك بتكذيبهم الرسل والعناد معهم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بما عذبهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث وضعوا أنفسهم في غير موضعها الذي وضعها الله ، وحيث صرفوها عن عبادة من نفعهم ، وأنعم عليهم ، واستحق ذلك عليهم إلى من لا يملك نفعا ولا ضرّا ، ولا يستحق العبادة بحال ، فهم ظلموا أنفسهم ؛ حيث صرفوها عن الحكمة إلى غير الحكمة لا الله ؛ إذ « 2 » الله وضعها ؛ حيث توجب الحكمة ذلك ، والظلم : هو وضع الشيء في غير موضعه ، والحكمة : هي وضع الشيء في موضعه ، فهم وضعوا أنفسهم في غير موضعها ، فأما الله تعالى فقد « 3 » وضعها في المواضع التي توجب الحكمة وضعها . وقوله - عزّ وجل - : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ . كأنه قال : ما ينتظرون « 4 » للإيمان بعد الحجج السمعيات ، وبعد الحجج العقليات ، والحجج الحسيات إلا نزول الملائكة بالعذاب من الله تعالى [ عليهم ] « 5 » ؛ لأن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم قد أقام عليهم الحجج السمعيات والعقليات والحسيات ، فلم يؤمنوا به ولم يصدقوه ، فيقول : إنهم ما ينتظرون إلا الحجج التي تقهرهم وتضطرهم ، فعند ذلك يؤمنون ؛ وهو ما ذكر من نزول العذاب بهم . أو يقول : ما ينظرون بإيمانهم إلا الوقت الذي لا ينفعهم إيمانهم ، وهو الوقت الذي تخرج أنفسهم من أيديهم ؛ فأخبر أن إيمانهم لا ينفعهم في ذلك ، وهو ما قال : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ . . . الآية [ غافر : 85 ] .
--> ( 1 ) في أ : إنزال . ( 2 ) في أ : إن . ( 3 ) في أ : قد . ( 4 ) في أ : ينظرون . ( 5 ) سقط في أ .