أبي منصور الماتريدي
487
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
المستقبلة ، يقال : استمخر الإنسان الريح : إذا استقبلها . وقال أبو عبيدة : مواخر من الاستدبار ؛ يقال : إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح : أي : يستدبرها . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ . يحتمل بالتجارة التي جعل فيها ؛ حيث جعل سبيل قطع البحار إلى بلاد نائية بعيدة بالسفن ؛ ليبتغوا ما به قوام أبدانهم وأنفسهم ؛ إذ جعل بنيتهم بنية لا تقوم إلا بالأغذية ، ولعلهم لا يظفرون ما به قوام أبدانهم وبنيتهم في بلادهم ؛ فيحتاجون إلى البلاد النائية البعيدة عنهم ، فمنّ عليهم بذلك ؛ كما من بقطع المفاوز والبراري بالدوابّ ؛ بقوله : وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [ النحل : 7 ] . أو قال : وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ بما يستخرج منه ، ولعلكم تشكرون جميع ما ذكر : من ألوان النعم والمنافع ؛ من أوّل السورة إلى آخرها ؛ يستأدي به شكره . وفي قوله : وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ دلالة إباحة التجارة ، وطلب الفضل بركوب الأخطار واحتمال الشدائد ؛ حيث أخبر أنه سخر البحر ؛ حتى أمكنهم ركوبه بالحيل والأسباب التي علمها لهم ؛ لأن الغواص يخاطر بروحه ونفسه ، وكذلك راكب السفينة . وقوله - عزّ وجل - : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ . أي : ألقى في الأرض الجبال ؛ لئلا تميد بكم [ ؛ قال بعض أهل التأويل « 1 » : قوله : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ لئلا تميد بكم ] « 2 » لأنها بسطت على الماء ؛ فكانت تكفو بأهلها ؛ كما تكفو السفينة في الماء ؛ فأثبتها بالجبال ؛ لتقرّ بأهلها ، لكن لو كان على ما ذكروا أنها بسطت على الماء لكانت لا تكفو ولا تضطرب ، ولكنها « 3 » تتسرب في الماء وتنهار فيه ؛ لأن من طبعها التسفّل والتسرب في الماء ؛ إلا أن يقال : [ إن ] « 4 » الله - عزّ وجل - جعل - بلطفه - طبعها طبع ما يضطرب ؛ وتكفو ؛ فعند ذلك يحتمل ما ذكروا . والله أعلم . ولو قالوا : إنها بسطت على الريح لكان يحتمل ما قالوا ؛ ويكون أشبه بقولهم ؛ ألا ترى أن السراج في الآبار والسروب لا يضيء بل ينطفئ كما أسرج ؛ فيشبه أن يكون انطفاؤه لريح تكون في الأرض ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ، والله أعلم بذلك .
--> ( 1 ) قاله البغوي ( 3 / 64 ) . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في ب : ولكن . ( 4 ) سقط في أ .