أبي منصور الماتريدي
483
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بالتفكر يعرف أنه آية لما ذا ، وهذا يدلّ على أن الأشياء التي غابت عنا ظواهرها بالتفكر والنظر تدرك . وقوله - عزّ وجل - : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ وما ذكر . ووجه تسخير هذه الأشياء لنا : هو أن الله خلق هذه الأشياء ، وجعل فيها منافع للخلق ؛ تتصل تلك المنافع إلى الخلق شئن ؛ أو أبين أحببن « 1 » أو كرهن ؛ جعل في النهار معاشا للخلق ؛ وتقلبا فيه يتعيشون ويتقلبون ، وجعل الليل راحة لهم وسكنا ، ينتفعون بهما شاءا أو أبيا ، وكذلك ما جعل في الشمس والقمر والنجوم من المنافع : من إنضاج الفواكه والثمرات ، وإدراك الزروع وبلوغها ، ومعرفة الحساب والسنين والأشهر « 2 » ، ومعرفة الطرق والسلوك بها ، وغير ذلك من المنافع ما ليس في وسع الخلق إدراكه ، ينتفع الخلائق بما جعل فيها من المنافع شاءت هذه الأشياء أو أبت ، فذلك وجه تسخيرها لنا . ويحتمل ما ذكر من تسخير هذه الأشياء لنا : ما جعل في وسعنا استعمال هذه الأشياء ؛ والانتفاع بها ، والخيل التي بها نقدر على استعمالها في حوائجنا . ويحتمل تسخيرها لنا : ما ينتفع بهن شئن أو أبين بالطباع . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ . يحتمل وجهين : يحتمل : أي : بأمره تنفع الخلائق ويحتمل بِأَمْرِهِ : أي : كونها في الأصل هكذا ؛ بأن تنفع الخلق . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . قال في الآية الأولى : لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ جعل الله تعالى التفكر سبيلا للعقول إلى إدراك الأشياء المغيبة بالحواس الظاهرة ؛ إذ لا سبيل للعقل إلى إدراك ما غاب عنه إلا بالحواس الظاهرة ، [ والتفكر فيها ؛ لأن ما غاب عن الحواس الظاهرة ] « 3 » لا يدركه العقل ؛ فجعل الحواس الظاهرة سبيلا للعقول إلى إدراك « 4 » المغيب عنها . ذكر - عزّ وجل - في الآية الأولى : لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، وذكر في الآية الثانية : لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، وفي الآية الثالثة : لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ، وفي الرابعة : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ : فهو - والله أعلم - كرره على مراتب ؛ لأنه بالتفكر فيها يعقل ويعلم ، ثم بعد العلم والعقل والفهم
--> ( 1 ) في أ : أجبن . ( 2 ) في ب : الشهور . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : درك .