أبي منصور الماتريدي

478

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً . قوله : وَزِينَةً يحتمل وجهين : أحدهما : أن الماشي هو دون الراكب ، والمشي يؤثر نقصانا في الوجه والركوب لا ، وذلك زينة ؛ على ما ذكرنا في قوله : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ . والثاني : أن الراكب إذا نظر إلى الماشي سرّ بركوبه ، فالسرور يظهر في وجهه ، وذلك يزيد في حسنه وجماله ، وأصله : ما ذكر - عزّ وجل - : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ . . . الآية [ النحل : 5 ] وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً بيّن أنه لما ذا « 1 » خلق الأنعام وما جعل فيها ؛ وهو ما ذكر : أنه جعل فيها الدفء والمنافع ومنها تأكلون ، وبيّن أنه لما ذا خلق الخيل ؛ وهو ما ذكر : لتركبوها وزينة . وسئل ابن عباس : عن لحوم الخيل ؟ فقرأ : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها ولم يقل : لتأكلوها ؛ فكره أكلها لذلك « 2 » . وتمام هذا أن الله ذكر الأنعام ، وما ذكر من النعم والانتفاع بها ، وبالغ في ذكرها ؛ لأنه قال : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وقال : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . . . الآية ، وقال : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ [ النحل : 10 ] وقال : يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [ النحل : 11 ] وقال : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا . . . [ النحل : 14 ] إلى آخر ما ذكر ، ذكر جميع ما ينتفع به ؛ من أنواع المنافع ذكرا شافيا مبالغا غير مكفيّ ، فدل ما ذكر في الخيل من الركوب ، وكذلك في البغال والحمير ؛ على أنه ليس فيها « 3 » منفعة أخرى سوى ما ذكر ؛ وهو الركوب ؛ إذ خرج الذكر لها على المبالغة والاستقصاء ؛ ليس على الاكتفاء ، ولو كان هنالك منفعة أخرى لذكر على ما ذكر في غيره . والله أعلم . والثاني من الأشياء : أشياء يعرف خبثها ؛ بنفار الطباع ، والصبيان أوّل ما بلغوا يرغبون في ركوبها ، لا أحد يرغب في أكلها إلا من غير طبعه عما كان مجبولا به ؛ فهو يرغب في أكله ، وأما من ترك وطبعه يستخبث وينفر طبعه عن أكله . والله أعلم . وروي عن جابر قال : لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة ، وأخذوا الحمر الأهلية

--> ( 1 ) في أ : لما . ( 2 ) أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير ( 214841 ، 21484 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 207 ) . ( 3 ) في أ : فيه .