أبي منصور الماتريدي

47

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 44 إلى 45 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 45 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يخبر أن ما حل بأولئك من عذاب استئصال « 1 » ، إنما حل بظلمهم ، [ لا بظلم ] « 2 » من الله تعالى وقوله - عزّ وجل - : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ . لم يلبسوا إلا ساعة من النهار ، قال : في قبورهم يتعارفون بينهم إذا خرجوا من قبورهم . وقال بعضهم من أهل التأويل : كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ : في الدنيا « 3 » ، وأصله كأنهم استقلوا طول مقامهم في الدنيا وما أنعموا فيها ؛ لما عاينوا من أهوال ذلك اليوم وشدائده ، أو استقلوا لبثهم [ في الدنيا ] « 4 » ومقامهم ؛ لطول مقامهم في الآخرة في العذاب . وفيه وجه ثان : وهو أنه يذكر من شدة سفههم وغاية جهلهم أن ما يعدهم من الحشر والعذاب الأبد كأنهم لا يلبثون فيها إلا ساعة من النهار ، حتى لا يبالوا ما يلحقهم من ذلك وما يستوجبون عليه من العذاب باكتسابهم [ من ] « 5 » تلك الأسباب . وقوله - عزّ وجل - : يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ أي : يعرف بعضهم بعضا على قدر ما يلعن « 6 » بعضهم بعضا ؛ كقوله : وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ العنكبوت : 25 ] . وعلى قدر ما يتبرأ بعضهم من بعض ثم يفرق بينهم كقوله : فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ [ يونس : 28 ] ، أي : فرقنا بينهم .

--> ( 1 ) في أ : استئصال وعقوبة . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 355 ) ونسبه للضحاك وأبي حيان في البحر المحيط ( 5 / 162 ) . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) في هذا التعارف وجوه : الأول : يعرف بعضهم بعضا كما كانوا في الدنيا . الثاني : يعرف بعضهم بعضا بما كانوا عليه من الخطأ والكفر ، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا العذاب ، وتبرّأ بعضهم من بعض . فإن قيل : كيف توافق هذه الآية قوله : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً [ المعارج : 10 ] ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أنهم يتعارفون بينهم بتوبيخ بعضهم بعضا ؛ فيقول كل فريق للآخر : أنت أضللتني يوم كذا ، وزينت لي الفعل القبيح الفلاني ، فهو تعارف توبيخ وتباعد وتقاطع ، لا تعارف عطف وشفقة . وأما قوله : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً فهو سؤال رحمة وعطف . والثاني : أن هاتين الآيتين على حالين ، وهو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة ؛ فلذلك لا يسأل حميم حميما . ينظر اللباب ( 10 / 343 ) .