أبي منصور الماتريدي

469

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الذين فعلوا به ما فعلوا ممن تقدم ذكرهم ؛ فيكون قوله : الَّذِينَ يَجْعَلُونَ على إضمار ( كان ) ؛ أي : الذين كانوا يجعلون مع الله إلها آخر . وإن كان في الذين يكونون من بعد - فهو على ظاهر ما ذكر ؛ يجعلون على المستقبل . وقوله - عزّ وجل - : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . أي : سوف يعلمون ما عملوا من الاقتسام ، والعضة ، والاستهزاء برسول الله وأصحابه ، إذا نزل العذاب بهم . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ . وما قالوا ؛ من الاقتسام ، والعضة ، والاستهزاء به ، وأنواع الأذى الذي كان منهم برسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ؛ أي : نعلم ذلك ، وهو محفوظ عندنا ، نجزيهم على ذلك فلا يضيقن صدرك ؛ لذلك فهو على التصبير على الأذى ، والتسلي عن ذلك ، وترك المكافأة لهم ، والله أعلم . وكان يضيق صدره ؛ مرة لتركهم الإجابة له ، ومرة للأذى باللسان . والثاني : على علم منا بما يكون منهم ، ومن ضيق صدرك بذلك ، لكن أنشأناهم ومكناهم على علم منا بذلك ؛ امتحانا منا إياك بذلك وإياهم . وقوله - عزّ وجل - : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ . قال بعض أهل التأويل « 1 » : أي : صل بأمر ربك وكن من الساجدين ؛ أي : من المصلين . وقوله : فَسَبِّحْ : هو أمر ؛ فإذا فعل ذلك كان بأمر ربه ؛ فلا معنى لذكر الأمر « 2 » من بعد قوله : بِحَمْدِ رَبِّكَ إن كان الحمد هو الأمر ؛ على ما قال بعض أهل التأويل . ويحتمل وجها آخر : وهو أن قوله : فَسَبِّحْ أي : نزّه الله عن جميع ما قالت الملحدة فيه ؛ إذ التسبيح هو التنزيه في اللغة بِحَمْدِ رَبِّكَ ؛ أي : بثناء ربك ؛ أي : نزهه عن ذلك كله بثناء تثنيه عليه ، وكن من الساجدين ؛ أي : من الخاضعين ؛ إذ السجود هو الخضوع . أو أن يكون أمره إياه بالتسبيح على التسلي ، وتوسيع صدره بالذي يكون منهم ؛ أي : فسبح ربك مكان ذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَاعْبُدْ رَبَّكَ . يحتمل التوحيد ؛ أي : وحّد ربك ، وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنه : كل عبادة ذكرت في القرآن - فهو توحيد يأمره باعتقاد الإخلاص له في كل أمر ، ويحتمل العبادة

--> ( 1 ) قاله ابن عباس ، كما في تفسير البغوي ( 3 / 60 ) . ( 2 ) في أ : الأمرين .