أبي منصور الماتريدي

437

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لم يشتبه « 1 » هذا على الناس ، ولم يفهموا [ من قوله ] « 2 » : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ، فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [ التحريم : 12 ] ما فهموا من نفخ الخلق ، فما بالهم فهموا من قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الفرقان : 59 ] و اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ فصلت : 11 ] ونحوه - استواء الخلق ؟ بل فهم نفخه من فهم نفخ الخلق أكثر من استوائه ؛ لأنه أمكن صرف الاستواء إلى وجوه ؛ ولا يمكن صرف النفخ فيه ، لكنه اشتبه عليهم ؛ لأنهم اقتدروا فعل الله بفعل الخلق ، ولا يجب أن يقتدروا بالخلق على ما لم يقتدروا في قوله : [ حدود الله ، وحكم الله ] « 3 » ، وعباد الله ، وخلق الله ، وأمثاله . وقد أخبر أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] أو تلقين من الشيطان . وقوله : رُوحِي رُوحَنا * أي : الروح الذي به حياة الخلق ؛ أي : خلق الذي يكون به حياة الخلق على ما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - : فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ . يحتمل أن يكون قوله : خالِقٌ بَشَراً ما ذكر خبر أنه سيفعل ، وأمر لهم بالسجود ؛ فيكون الأمر بالسجود بعد ما خلقه إياه ، فهذا يدلّ أنه قد يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ . ظاهر الأمر بالسجود ؛ والاستثناء - الذي ذكر - يدل أن إبليس من الملائكة ؛ لأن فيهم كان الأمر بالسجود ، ومنهم وقع الثنيا ، وقد ذكرنا اختلافهم وأقاويلهم فيما تقدم ؛ مقدار ما حفظناه . قال : والأصل بأن كل ما خرج مخرج الاستثناء - فيجب أن يسقط اسم ما أجمل ؛ نحو قول الرجل الآخر : لك علي عشرة إلا درهما ، يسقط [ الاستثناء ما ] « 4 » أجمل من الاسم حتى [ صار ] « 5 » تسعة ، وكذلك إذا قال : ألف إلا خمسين ، وإذا لم يسقط ذلك الاسم - فلا بد أن يكون الكل فيه مضمرا ؛ نحو قول الرجل : رأيت علماء بلدة كذا إلا فلانا - يجب أن يضمر فيه حرف الكل ، حتى يقع على كل ؛ نحو أن يقول : رأيت كل علماء بلدة كذا إلا

--> ( 1 ) في أ : يشبه . ( 2 ) في ب : من خلقه قوله . ( 3 ) في ب : حكم الله ، وحدود الله . ( 4 ) في ب : الاستثناء اسم ما . ( 5 ) سقط في ب .