أبي منصور الماتريدي
410
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أَجَلٍ قَرِيبٍ . يحتمل قوله : وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ قولهم الذي يقولون يومئذ : رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ . ويحتمل : وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ الذي يحل بهم . ثم أخبر عما يقولون - إذا حل بهم العذاب - : رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قال بعضهم : إلى الدنيا ؛ والدنيا أجلها قريب ، لكن هذا لا يحتمل ؛ لأن الدنيا أولى ، والآخرة آخرة ، فلو جاز هذا لتكون الآخرة أولى ؛ فذلك بعيد ، لكن طلبوا - والله أعلم - الردّ إلى حال الأمن ؛ ليجيبوا داعيه ؛ إذ لم تنفعهم إجابتهم في حال الخوف والهول ، وما حل بهم إنما حل بتركهم [ الإجابة ] « 1 » في حال الأمن ؛ فطلبوا الرد إلى الأمن ؛ ليجيبوا داعيه لتنفعهم إجابتهم ؛ حيث قالوا : نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ . وقوله - عزّ وجل - : أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ . لم يبين بما أقسموا في هذه الآية ؛ وهو ما بين في آية أخرى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [ النحل : 38 ] . ثم قوله : ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ : قال قائلون : ما لكم من زوال من الدنيا ، أي : كنتم تقولون : أن ليس إلا الدّنيا لا زوال لنا عنها ؛ أحياء وموتى ؛ كقولهم : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا . . . الآية [ المؤمنون : 37 ] على ما ذكر من قسمهم أنهم لا يبعثون . وقال قائلون : قوله : ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ جواب لسؤالهم : رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ على الاستئناف ؛ قال : ما لكم عما أنتم فيه من العذاب إلى ما تسألون من المدة والتأخير ؛ أي : ما لكم إلى ذلك سبيل . وقال بعضهم « 2 » : في قوله : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ : أي : تنزع قلوبهم ؛ حتى صارت في حناجرهم ؛ فلا تخرج من أفواههم ، ولا تعود إلى أماكنها ؛ لشدة هول ذلك اليوم وفزعهم عليه ، وهو على التمثيل والكناية ؛ كقولهم : إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ . . . الآية [ الأحزاب : 10 ] ؛ لشدة خوفهم ، وهو على التمثيل ؛ إذ لا يحتمل بلوغ القلوب الحناجر في الدنيا حقيقة ؛ إذ لو بلغت ذلك لخرجت فماتوا ، إذ الدنيا يحتمل الموت فيها ، فدلّ أن ذلك على التمثيل لشدّة خوفهم . وقوله - عزّ وجل - : وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بتكذيبهم الرسل .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) قاله أبو الضحى ، أخرجه ابن جرير عنه ( 20907 ) ، وعن قتادة ( 20908 ، 20909 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 4 / 164 ) .