أبي منصور الماتريدي
40
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بدء الخلق ولا بعثه . وقال بعضهم : قوله : ثُمَّ يُعِيدُهُ لا يحتمل البعث ؛ لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث ، فلا يحتمل الاحتجاج عليهم بذلك ، ولكن قوله : ثُمَّ يُعِيدُهُ ما سوى البشر ؛ لأنهم إنما ينكرون إعادة البشر ، فأما إعادة غيره من الأشياء لا ينكرونه ؛ نحو إعادة الليل والنهار ، وإعادة الإنزال والنبات ، ونحو الأشياء التي يشاهدونها ، أي : ثم يعيد مثله : الليل ليلا مثله ، والنهار نهارا مثله ؛ وكذلك الخلائق تفنى ثم يعيد مثله ، فإذا ثبت في غير البشر ثبت في البشر . ويحتمل الأمرين جميعا عندنا البعث وأشياء مثله ؛ لأنه تعليم منه لهم ، ألا ترى أنه قال : قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ قيل : تكذبون بتوحيد الله ، وقد عرفتم أنه هو بدأ الخلق ثم هو يعيده ، لا أحد يملك ذلك ، ألا ترى أنه احتج « 1 » عليهم ما يلزمهم ذلك بقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ . . . الآية [ البقرة : 28 ] . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ : يحتمل « 2 » قوله : يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ يدعو إلى الحق فإذا كان هؤلاء الأصنام التي تعبدونها لا يملكون الدعاء إلى شيء ، فلا يملكون الضر والنفع ، ومن الخلائق من لا يملك النفع والضر ، ويملك الدعاء إلى خير أو [ إلى ] « 3 » نفع ، فهؤلاء دون الخلائق جميعا ؛ إذ لا يملكون الدعاء ، فكيف يملكون [ الضرّ والنفع ] « 4 » ؟ ! يبين عزّ وجل سفههم بعبادتهم هؤلاء الأصنام ؛ لعلمهم أنهم لا يملكون نفعا ولا ضرّا . ويحتمل قوله : يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أي : يبين ويقيم الدلائل والبراهين على [ عدم ] استحقاق العبادة لهم ، فإذا لم يملكوا الدعاء إلى العبادة لهم ، فكيف يملكون نصب
--> ( 1 ) زاد في ب : به . ( 2 ) اعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ، ثم بالهداية ثانيا ، عادة مطردة في القرآن ، قال - تعالى - حكاية عن الخليل - عليه الصلاة والسلام - : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] ، وحكى عن موسى - عليه الصلاة والسلام - في جوابه لفرعون : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] ، وأمر محمدا - عليه الصلاة والسلام - فقال : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى . الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى . وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى [ الأعلى : 1 - 4 ] . واعلم أن الإنسان له جسد وروح ، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية . والمقصود من خلق الجسد : حصول الهداية للروح ، كما قال - تعالى - : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ النحل : 78 ] ، وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد ، وأعطى الحواس ؛ لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلم . ينظر اللباب ( 10 / 324 ) . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : النفع والضر .