أبي منصور الماتريدي

398

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

على هذه الوجوه تخرج الآية . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها . قال بعضهم : لا تحصوها ؛ أي : لا تشكروها ؛ أي : لا تقدروا شكرها . وقال بعضهم « 1 » : أي : لا تقدروا إحصاءها وعدها ، وهكذا إن أقل الناس نعمة لو تكلف إحصاء ما أعطاه ما قدر عليه ؛ من حسن الجوهر والصورة ، واستقامة التركيب والبنية ، وسلامة الجوارح ، وغير ذلك مما لا سبيل له إلى ذكرها وإحصائها ؛ إلا بعد طول التفكر والنظر . وقال بعضهم : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ : لا تحيطوا بكنهها ونهايتها . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ . [ لظلوم ] « 2 » : أي : ظلم نفسه ؛ حيث صرفها إلى غير الجهة التي جعلت وأمر ، وأدخلها في المهالك ، وألقاها في « 3 » التهلكة « 4 » . كفّار لنعمه ؛ حيث صرف شكرها إلى غير الذي جعلها له . والله أعلم . واستدل بعض المعتزلة بقوله : قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ أن صاحب الكبيرة يخلد في النار ؛ لأنه أوعد بترك الصلاة والزكاة التخليد أبدا ، وترك الصلاة والزكاة من غير عذر - من الكبائر ، دل أنه ما ذكرناه . فنقول نحن - وبالله التوفيق - : إن الآية تحتمل الأمر بإقامة الصلاة ؛ وما ذكر من الزكاة والصدقة إقامة الإيمان بها ؛ على ما ذكرنا من تأويل بعض المتأولين ، فإن كان على هذا على إقامة الإيمان بها - فمن ترك ذلك فهو - يخلد أبدا لا شك فيه ، أو يكون من استحل تركها ؛ فهو بالاستحلال يكفر ؛ فهو يخلد ، أو يترك لعذر ؛ فهو لا يخلد على اتفاق القول . فإذا كان ما ذكرنا محتملا دل أن الآية مخصوصة . ثم معرفة تخليد صاحب الكبيرة إنما هي بالدلائل سوى هذا ، إذ ليس في ظاهر الآية دلالة التخليد ؛ لما ذكرنا من احتمال الخصوص ، دل أنه إنما يطلب الدليل من وجه آخر .

--> ( 1 ) قاله البغوي في تفسيره ( 3 / 36 ) . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : إلى . ( 4 ) وقال ابن الخطيب : كأنه يقول : إذا حصلت النعم الكثيرة ، فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها ، فحصل لك عند أخذها وصفان : وهما : كونك ظلوما كفارا ، ولي وصفان عند إعطائها وهما : كوني غفورا رحيما ، فكأنه - تعالى - يقول : إن كنت ظلوما فأنا غفور ، وإن كنت كفارا فأنا رحيم ، أعلم عجزك ، وقصورك ، فلا أقابل جفاك إلا بالوفاء . ينظر : اللباب ( 11 / 392 ) .