أبي منصور الماتريدي
393
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
اختلف في نزوله : قال بعضهم : هذه [ السورة ] « 1 » كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية فإنها نزلت بالمدينة . وقال بعضهم : نزلت بمكة كلها . فمن يقول : نزلت بالمدينة - يقول : قوله : وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ . جَهَنَّمَ هو بدر ؛ أي : حملوهم إلى بدر حتى قتلوا ؛ لأنه لم يكن بمكة بدر ؛ إنما كان بالمدينة . ومن يقول : نزلت بمكة - يقول : دارَ الْبَوارِ : هي جهنم ؛ على ما فسّره ظاهر الكتاب ، وهو الأشبه بظاهر الآية ؛ لأنه بيّن تلك الدار ؛ فقال : جَهَنَّمَ . وفي الآية دلالة أن الآية [ كانت ] « 2 » في عظمائهم وكبرائهم ؛ حيث قال : وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ . . . الآية . ثم اختلف في النعمة ؛ التي ذكر أنهم بدلوها كفرا ؛ فهي تحتمل وجوها : أحدها : أن الله - عزّ وجل - قد أنعم عليهم في هذه الدنيا ؛ ووسعها عليهم ؛ فحرموا تلك النعم على أنفسهم ؛ فجعلوها للأصنام التي عبدوها وسيبوها ؛ ولم ينتفعوا بها ، من نحو البحيرة التي ذكر ، والسائبة ، والوصيلة ، والحامي ، وما جعلوا للأصنام هو ما ذكر وَهذا لِشُرَكائِنا [ الأنعام : 136 ] ، فذلك تبديل النعمة كفرا ؛ حيث حرموا ما أنعم الله عليهم وأحل لهم . والثاني : تلك النعمة محمد أو القرآن أو الإسلام وهو نعمة ، كذبوهم [ وكفروهم ] « 3 » . أو أن يكونوا بدلوا الشكر الذي عليهم - بما أنعم عليهم كفرا ، جعلوها سببا للكفر ؛ فلم يشكروه بما أنعم عليهم . وقوله - عزّ وجل - : بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً حقيقته يخرج على وجهين : أحدهما : بدلوا وصرفوا ما أنعم الله عليهم ؛ وهو محمد صلى اللّه عليه وسلّم عن أنفسهم ؛ حتى أخذ منهم ؛ بدلوا به كفرا . والثاني : بدلوا به كفرا بعد ما سألوا ربهم وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ . . . الآية [ النحل : 38 ] ؛ فلم يشكروا ما أنعم عليهم ، وبدلوا الشكر كفرا . وقوله - عزّ وجل - : وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ .