أبي منصور الماتريدي

356

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

احكم بالعذاب الذي حكمت عليهم ] « 1 » . ويحتمل قوله : لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ أي : لا يتعقب أحد حكمه ؛ ولا يعقب أحد سلطانه ؛ كما يكون في حكم الخلائق يتعقب بعض عن بعض ، وكما ذكر في الحفظة : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [ الرعد : 11 ] يتعقب بعض عن بعض في الحفظ ؛ وفيما سلطوا . والله أعلم . وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ هذا قد ذكرناه في غير موضع . وقوله - عزّ وجل - : وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . أي : مكر الذين من قبلهم برسلهم ؛ كمكر هؤلاء بك يصبر رسوله على أذاهم به . ثم يحتمل المكر به وجهين : أحدهما : مكروا بنفسه ؛ همّوا قتله وإهلاكه . والثاني : مكروا بدينه الذي دعاهم إليه وأراد إظهاره ؛ هموا هم إطفاء ذلك وإبطاله وكذلك مكر الذين من قبلهم برسلهم يخرج على هذا . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً . هذا أيضا يخرج على وجهين : أحدهما : يقول : فلله جزاء المكر جميعا ؛ يجزى كلا بمكره . والثاني : أي : لله حقيقة المكر يأخذهم جميعا بالحق من حيث لا يشعرون ، وأما « 2 » هم فإنما يأخذون ما يأخذون لا بالحق ولكن بالباطل ، ولا يقدرون على الأخذ من حيث لا يشعرون إلا قليلا من ذلك ، فحقيقة المكر الذي هو مكر بالحق في الحقيقة لله لا لهم . ويحتمل قوله : فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً أي : لله تدبير الأمر جميعا ، إن شاء أمضاه ؛ وإن شاء منعه ، إليه ذلك لا إليهم . أو لله حقيقة المكر يغلب مكره مكر أولئك . وقوله - عزّ وجل - : يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ من خير أو شرّ . وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ . يشبه أن يكون عقبى الدار معروفا عندهم ؛ وهي الجنة ؛ فيكون صلة قولهم : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] فيقول - والله أعلم - سيعلمون هم لمن عقبى الدار ؛ أهي لهم أم هي للمؤمنين ؟ أو أن يكون جواب قوله : وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [ الكهف : 36 ]

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : فأما .