أبي منصور الماتريدي
312
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لدى هلاكهم ، [ على ما فعل الأولون ؛ فقال : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ قد عفا هذه الأمة إحضار آيات وإنزالها لدى هلاكهم ] « 1 » وإن كانوا هم في سؤالهم الآيات معاندين ؛ لأنهم قد جاءهم من الآيات ؛ على إثبات رسالته وإظهارها ؛ ما كفتهم ، لكنهم يعاندون . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ : لا تملك إتيان الآيات ، قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ [ العنكبوت : 50 ] وقال : لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ الآية [ الأنعام : 58 ] . أو يقول : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ : ليس إليك إنشاء الآيات واختراعها ؛ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ [ العنكبوت : 50 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ . أي : داع يدعو إلى توحيد الله ودينه ؛ كقوله : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [ فاطر : 24 ] . وقوله : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ يحتمل : لكل وقت هاد . ثم اختلفوا أنه : من ذلك الداعي ؟ قال بعضهم « 2 » : الله ، وقال بعضهم « 3 » : نبي من الأنبياء « 4 » ، وقال بعضهم « 5 » : داع ؛ دليل سوى النبي . وقالت الباطنية : هو إمام يكون معصوما مثل النبي لئلا يزيغ عن الحق ؛ ولكن عندنا معصوما [ أو لم يكن معصوما ] « 6 » فإن في القرآن ما يمنع عن الزيغ ؛ ويعرف ذلك منه إذا زاغ ؛ وضل عن الحق .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 20146 ) وعن سعيد بن جبير ( 20142 ، 20144 ) ومجاهد ( 20145 ) والضحاك ( 20147 ) وانظر : الدر المنثور ( 4 / 86 ) . ( 3 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير عنه ( 20148 ، 20154 ) وعن قتادة ( 20155 ) وابن زيد ( 20156 ) وانظر : الدر المنثور ( 4 / 86 ) . ( 4 ) إذا جعلنا ( ولكل قوم هاد ) كلاما مستأنفا ، فالمعنى : أن الله - تعالى - خص كل قوم بنبي ، ومعجزة تلائمهم ، فلما كان الغالب في زمن موسى - عليه السلام - السحر ، جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقهم ، ولما كان الغالب في زمن عيسى - عليه الصلاة والسلام - الطب ، جعل معجزته ما كان من تلك الطريقة ، وهي إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه ، والأبرص ، ولما كان الغالب في زمان محمد صلى اللّه عليه وسلّم الفصاحة ، والبلاغة ، جعل معجزته ما كان لائقا بذلك الزمان ، وهو فصاحة القرآن ، فلما لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع أنها أليق بطبائعهم ، فبألّا يؤمنوا بباقي المعجزات أولى ، هذا تقرير القاضي ، وبه ينتظم الكلام . ينظر : اللباب ( 11 / 257 ) . ( 5 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير عنه ( 20138 ) وانظر : الدر المنثور ( 4 / 86 ) . ( 6 ) سقط في أ .